Blogs DHNET.BE
DHNET.BE | Créer un Blog | Envoyer ce Blog à un ami | Avertir le modérateur

02/04/2011

محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم

أمر الشاة المسمومة‏:

ولما اطمأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخيبر بعد فتحها أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سَلاَّم بن مِشْكَم، شاة مَصْلِيَّةً، وقد سألت أي عضو أحب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏ ؟‏ فقيل لها‏:‏ الذراع، فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تناول الذراع، فَلاَكَ منها مضغة فلم يسغها، ولفظها، ثم قال‏:‏ ‏" إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم "، ثم دعا بها فاعترفت، فقال‏:‏ " ما حملك على ذلك‏؟ "، قالت‏:‏ قلت‏:‏ إن كان ملكًا استرحت منه، وإن كان نبيًا فسيخبر، فتجاوز عنها‏.‏

وكان معه بِشْر بن البراء بن مَعْرُور، أخذ منها أكلة فأساغها، فمات منها.‏

واختلفت الروايات في التجاوز عن المرأة وقتلها، وجمعوا بأنه تجاوز عنها أولا، فلما مات بشر قتلها قصاصا(‏1).

قتلى الفريقين في معارك خيبر:

وجملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ستة عشر رجلاً، أربعة من قريش وواحد من أشْجَع، وواحد من أسْلَم، وواحد من أهل خيبر والباقون من الأنصار‏.‏

ويقال‏:‏ إن شهداء المسلمين في هذه المعارك 81 رجلاً‏.‏

وذكر العلامة المنصور فوري 91 رجلاً، ثم قال‏:‏ إني وجدت بعد التفحص 32 اسماً، واحد منها في الطبري فقط، وواحد عند الواقدي فقط، وواحد مات لأجل أكل الشاة المسمومة، وواحد اختلفوا هل قتل في بدر أو خيبر، والصحيح أنه قتل في بدر(2)‏.‏

أما قتلى اليهود فعددهم ثلاثة وتسعون قتيلاً‏.‏

فَـدَك‏:‏

ولما بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى خيبر، بعث مُحَيِّصَة بن مسعود إلى يهود فَدَك، ليدعوهم إلى الإسلام، فأبطأوا عليه، فلما فتح الله خيبر قذف الرعب في قلوبهم، فبعثوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصالحونه على النصف من فدك بمثل ما عامل عليه أهل خيبر، فقبل ذلك منهم، فكانت فدك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- خالصة؛ لأنه لم يُوجِف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب‏(3).

وادي القُرَى:

‏ ولما فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من خيبر، انصرف إلى وادي القرى، وكان بها جماعة من اليهود، وانضاف إليهم جماعة من العرب‏.‏

فلما نزلوا استقبلتهم يهود بالرمي، وهم على تعبئة، فقتل مِدْعَم - عَبْدٌ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال الناس‏:‏ هنيئاً له الجنة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ " كلا، والذي نفسي بيده، إن الشَّمْلَة التي أخذها يوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا "، فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بشِرَاك أو شراكين، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-‏:‏" شراك من نار أو شراكان من نار "‏‏ البخاري، الفتح، كتاب الأيمان والنذور، باب هل يدخل في النذر الأرض والمغنم والزرع. رقم (6707).‏

ثم عَبَّأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه للقتال، وصَفَّهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحُبَاب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حُنَيْف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا، وبرز رجل منهم، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلاً، كلما قتل منهم رجل دعا من بقي إلى الإسلام‏.‏ وكانت الصلاة تحضر هذا اليوم، فيصلي بأصحابه، ثم يعود، فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا، وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا ما بأيديهم، وفتحها عنوة، وغَنَّمَهُ اللهُ أموالهم، وأصابوا أثاثا ومتاعًا كثيرًا‏.‏

وأقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بوادي القرى أربعة أيام‏.‏ وقسم على أصحابه ما أصاب بها، وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود، وعاملهم عليها(4). كما عامل أهل خيبر‏.‏

تَيْمَـــاء‏:

‏ ولما بلغ يهود تيماء خبر استسلام أهل خيبر ثم فَدَك ووادي القُرَى، لم يبدوا أي مقاومة ضد المسلمين، بل بعثوا من تلقاء أنفسهم يعرضون الصلح، فقبل ذلك منهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأقاموا بأموالهم(5)‏.‏ وكتب لهم بذلك كتابا وهاك نصه‏:‏ هذا كتاب محمد رسول الله لبني عاديا، أن لهم الذمة، وعليهم الجزية، ولا عداء ولا جلاء، الليل مد، والنهار شد، وكتب خالد بن سعيد‏.‏

العودة إلى المدينة:‏

ثم أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في العودة إلى المدينة، وفي الطريق أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير‏:‏ " الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله "، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -‏:‏ ‏" أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا ".‏ البخاري، الفتح، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر. رقم (4205).

وفي مرجعه ذلك سار النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة، ثم نام في آخر الليل ببعض الطريق، وقال لبلال‏:‏ " اكلأ لنا الليل"، فغلبت بلالاً عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ أحد، حتى ضربتهم الشمس، وأول من استيقظ بعد ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم خرج من ذلك الوادي، وتقدم، ثم صلَّى الفجر بالناس، وقيل‏:‏ إن هذه القصة في غير هذا السفر(6).‏ وبعد النظر في تفصيل معارك خيبر، يبدو أن رجوع النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في أواخر صفر أو في ربيع الأول سنة 7 هـ‏.‏

راجع " الرحيق المختوم " صـ (333، 347.

بعض الدُّروسُ والعِبَرُ المُسْتَفَادَةُ من غَزْوةِ خَيْبَر:

1. الحُمُرُ الأَهلية حُرِّمت لحومُها يومَ خَيْبَر.

2. جواز المُساقاة والمُزارعة بجزءٍ مِما يخرجُ من الأرضِ من ثمرٍ أو زرعٍ، كما عاملَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أهلَ خَيْبَر على ذلك.

3. جواز عقد المهادنة عقداً جائزاً للإمام فسخه متى شاء.

4. جواز تعليق عقد الصلح والأمان بالشَّرط، كما عقدَ لهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بشرطِ أنْ لا يغيبوا ولا يكتموا.

5. جواز تقرير أرباب التُّهم بالعُقُوبة، وأنَّ ذلك من الشَّريعة العادلة، لا من السياسة الظالمة.

6. الأخذُ في الأحكامِ بالقرائن والأمارات,كما قالَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لكِنانة: " المال كثير والعهد قريب ". فاستدل بهذا على كذبه في قوله: أذهبته الحروبُ والنفقةُ.

7. أنَّ أهلَ الذِّمةِ إذا خالُفوا شيئاً مما شُرط عليهم لم يبقَ لهم ذمَّةٌ، وحلَّتْ دماؤهم وأموالهُم، لأنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عقدَ لهؤلاءِ الهُدْنة، وشَرَطَ عليهم أنْ لا يُغيِّبوا ولا يكتموا، فإنْ فعلُوا حلَّتْ دماؤهم وأموالهُم، فلمَّا لم يفُوا بالشَّرط، استباحَ دماءَهم وأموالهَم، وبهذا اقتدى أميرُ المؤمنين عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- في الشُّروط التي اشترطَهَا على أهلِ الذِّمَّة، فَشَرَطَ عليهم أنَّهم متى خالَفُوا شيئاً منها، فقدْ حلَّ له منهم ما يحلُّ من أهلِ الشِّقاق والعَدَاوةِ.

8. جواز نسخ الأمرِ قبل فعله، فإنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمرهم بكسرِ القُدُورِ، ثم نسخه عنهم بالأمر بغسلها.

9. أنَّ مالا يُؤكل لحمُه لا يطهر بالذكاة لا جلدُه ولا لحمُه، وأنَّ ذبيحتَهُ بمنزلةِ موتهِ، وأنَّ الذكاة إنَّما تعملُ في مأكولِ اللحمِ.

10. أنَّ مَن أخذ مِن الغَنيمة شَيْئاً قبل قسمتِها لم يملكه، وإنْ كان دون حقِّه، وأنَّه إنَّما يملكه بالقسمة، ولهذا قال في صاحبِ الشَّملةِ التي غَلَّها: " إنَّها تشتعلُ عليه ناراً ". وقال لصاحبِ الشراك الذي غَلَّه: " شِرَاكٌ من نار ". البخاري، الفتح، كتاب الأيمان والنذور، باب هل يدخل في النذر الأرض والمغنم والزرع. رقم (6707).‏

11. أن الإمام مخير في أرض العنوة بين قسمتها وتركها، وقسم بعضها وترك بعضها.

12. جواز التفاؤل,بل استحبابه بما يراه أو يسمعه مما هو من أسباب ظهور الإسلام وإعلامه، كما تفاءل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- برُؤية المساحي والفؤوس والمكاتل مع أهل خَيْبَر، فإنَّ ذلك فألٌ في خرابها.

13. جواز جلاءِ أهلِ الذِّمَة من دارِ الإسلام إذا استُغني عنهم. راجع: " زاد المعاد " (3/ 342- 348).

14. جواز بناء الرجل بامرأته في السفر، وركوبها معه على دابة بين الجيش.

15. من قتل غيره بسُمٍّ يَقتُلُ مثلُه، قُتِل به قصاصاً؛ كما قتلت اليهودية بِشْر بن البراء.

16. جواز الأكل من ذبائح أهل الكتاب، وحل طعامهم.

17. قبولُ هديةِ الكافرِ.  راجع: " زاد المعاد" (3/350- 351).

18. جواز الحِداء والأناشيد الحسنة الخالية من السُّوء والبَذاءة.

19. بيان آية النبوة في نعي عامر بن الأكوع قبل استشهاده ودخوله المعركة.

20. استحباب قول: " اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الرياح وما ذرين، ورب الشياطين وما أضللن: نسألك خير هذا البلد..." الخ. المعجم الكبير للطبراني،(22/359).

21. حرمة وطء المسبية قبل استبرائِهِا.

22. بيان فضل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وما فاز به من حُبِّ الله ورسولهِ.ِ

23. بيان صدقُ وعدِ الله - تعالى- في غنائم خَيْبَر إذ وعد المؤمنين بها، فأنجزها لهم، وله الحمد والمنة.

24. فضل صفية أم المؤمنين -رضي الله عنه-.

25. في مصالحة أهل فَدَك قبل غزوة تقرير معنى حديثِ: " نصرت بالرعب مسيرة شهر..." البخاري، الفتح، رقم(328)، كتاب التيمم، باب.

راجع هذا الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم- يا محب صـ (364- 365).

للمزيد راجع:

"سبل الهدى والرشاد في سيرة خير" العباد للصالحي (5/115-174)، و"زاد المعاد" لابن قيم الجوزية (3/316-354)، و"الرحيق المختوم" للمباركفوري (408-424)، و"ابن هشام" (3/275-306)، و"عيون الأثر في سيرة خير البشر" لابن سيد الناس (2/198)، و"السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية" لمهدي رزق الله أحمد (499-512).



1 - انظر زاد المعاد 2/ 139، 140، فتح الباري 7/ 497، وأصل القصة مروية في البخاري مطولاً ومختصراً، (1/ 449، 2/ 610، 860)، وفي ابن هشام 2/ 337، 338.

2 - رحمة  للعالمين 2/ 268، 269، 270.

3 - ابن هشام 2/ 337، 353.

4 - زاد المعاد 2/ 146، 147.

5 - زاد المعاد 2/ 147.

6 - ابن هشام 2/ 340، والقصة معروفة مروية في عامة كتب الحديث: وانظر زاد المعاد 2/ 147.

أبوي الرسول – صلى الله عليه وسلم

أبو الرسول  - صلى الله عليه وسلم - :

1. اسمه: عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم. راجع نسبه كاملاً – في موقعنا هذا - تحت عنوان " التعريف بالرسول"

فائدة: كان الزبير عم النبيّ  - صلى الله عليه وسلم – وهو أكبر أعمامه - يرقِّص النبيّ  - صلى الله عليه وسلم- وهو طفل، ويقول:

 

محمد بن عَبْــدَمِ عشـت بعـيش أنْعَـم
في دولة ومغنـم دام سجيس الأزلــم(1)

2. لقبه:

كان يلقب عبد الله بالذبيح.

فائدة: للقبه الذبيح قصة من أظرف القصص وأطرفها، وهذا عرضها باختصار حتى لا نبعد من ساحة الأنوار.

كانت زمزم قد طمرتها جُرهم عند مغادرتها مكة لظلمها وانهزامها، وكان ذلك منها نقمة على أهلها الذين حاربوها وطردوها. وظلت زمزم مطمورة إلى عهد(شيبة الحمد عبد المطلب)، فأري في المنام مكانها، وحاول إعادة حفرها، ومنعته قريش، ولم يكن له يومئذ من ولد يعينه على تحقيق مراده إلا الحارث فنذر لله تعالى إن رزقه عشرة من الولد يحمونه ويعينونه ذبح أحدهم، ولما رزقه الله عشرة من الولد وأراد أن يفي بنذره لربه فاقترع على أيهم يكون الذبح، فكانت القرعة على عبد الله، وهمَّ أن يذبحه عند الكعبة فمنعته قريش، وطلبوا إليه أن يرجع في أمره إلى عرافة بالمدينة تفتيه في أمر ذبح ولده. فأرشدته إلى أن يضع عشراً من الإبل وهي دية الفرد عندهم، وأن يضرب بالقداح على عبد الله وعلى الإبل، فإن خرجت على عبد الله الذبيح زاد عشراً من الإبل، وإن خرجت على الإبل فانحرها عنه فقد رضيها ربكم، ونجا صاحبكم!! فوصلوا إلى مكة وجيء بالإبل وصاحب القداح، وقام عبد المطلب عند هبل داخل مكة يدعو الله - عز وجل-، وأخذ صاحب القداح يضربها، وكلما خرجت على عبد الله زادوا عشراً من الإبل حتى بلغت مائة، كل ذلك وعبد المطلب قائم يدعو الله - عز وجل - عند هبل، فقال رجال قريش قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب فأبى إلا أن يضرب عنها القداح ثلاث مرات، ففعل فكانت في كل مرة تخرج على الإبل، وعندها رضي عبد المطلب ونحر الإبل، وتركها لا يُصدُّ عنها إنسان ولا حيوان، ونجَّى الله تعالى والحمد لله (لا لسواه) عبد الله والد رسول الله.

فهذا سبب لقب عبد الله بالذبيح، وهو أحب أولاد عبد المطلب العشرة إليه، وزاده حباً فيه هذه الحادثة العجيبة(2).

3. مولده:

ولد بمكة عام (81ق هـ - 53 ق هـ - 544- 571م)(3) .

4. تزويجه من آمنة بنت وهب الزهرية:

قال ابن إسحاق: فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر – وهو يومئذٍ سيد بني زهرة نسباً وشرفاً- فزوَّجه ابنته آمنة بنت وهْب، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسباً وموضع4.

5. وفاته:

اختلف في وفاته: هل توفي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- حَمْل، أو توفي بعد ولادته؟ على قولين:

أحدهما: أنه توفي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- حمل.

والثاني: أنه توفي بعد ولادته بسبعة أشهر(5).

وأكثر العلماء على أنه كان في المهد. ذكره الدولابي وغيره، وقيل ابن شهرين ذكره ابن أبي خيثمة. وقيل: أكثر من ذلك، ومات أبوه عند أخواله بني النَّجار. ذهب ليمتار لأهله تمراً، وقد قيل: مات أبوه، وهو ابن ثمانٍ وعشرين شهراً (6).

6. مكان وفاته:

ذهب عبد الله للتجارة في أرض غزة من فلسطين حيث توفي جده هاشم إلاَّ أن عبد الله عاد منها فمرض في طريق عودته ، فنزل عند أخواله من بني النجار فمات عندهم بالمدينة، وقبره معروف المكان إلى عهد قريب حيث أخفي لزيارة الجهال له، والاستشفاع به، ودعائه - والعياذ بالله -، وهذا لغلبة الجهل على المسلمين لقلة العلماء، وقلة الرغبة في طلب العلم7.

أم الرسول – صلى الله عليه وسلم -:

1. اسمها:

آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر8.

2. أمَّها:

برّة بنت عبد العزَّى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر.

3. مولدها:

لم نجد لها تاريخاً.

4. زواجها من عبد الله:

لقد تزوج عبد الله آمنة زوَّجه بها والده عبد المطلب على إثر نجاته من الذبح وفاءً بالنذر، وبنى بها عبد الله وحملت منه بالحبيب محمد - صلى الله عليه وسلم-9.

5. وفاتها:

قال ابن إسحاق: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مع أمه آمنة بنت وهب، وجده عبد المطلب بن هاشم في كلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتاً حسناً، لما يريد به من كرامته، فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ست سنين، توفيت أمه آمنة بنت وهب.

وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أنَّ أمَّ رسول الله-صلى الله عليه وسلم - آمنة توفيت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- ابن ستِّ سنين بالأبواء بين مكة والمدينة، كانت قد قدمت به على أخواله من بني عديّ بن النَّجار، تُزيره إيّاهم فماتت وهي راجعة به إلى مكة10.

وفاة أبوي النبوي - صلى الله عليه وسلم -:

وفاة عبد الله بن عبد المطلب:

لم يطل المقام بالفتى الشاب عبد الله بن عبد المطلب مع زوجته آمنة بنت وهب، فقد خرج في تجارة إلى الشام وترك الزوجة الحبيبة، وما دَرَى أنها علقت بالنسمة المباركة، وقضى الزوج المكافح مدة في تصريف تجارته، وهو يعدُّ الأيام كي يعود إلى زوجته فيهنأ بها، وتهنأ به، وما إن فرغ حتى عاد، وفي أوبته عرَّج على أخوال أبيه عبد المطلب، وهم بنو النجار بالمدينة، فاتفق أن مرض عندهم، فبقي وعاد رفاقه، ووصل الركب إلى مكة، وعلم منهم عبد المطلب بخبر مرضه، فأرسل أكبر بنيه: الحارث ليرجع بأخيه بعد إبلاله وما أن وصل الحارث إلى المدينة حتى علم أن عبد الله مات ودفن بها في دار النابغة من بني النجار، فرجع حزين النفس على فقد أخيه، وأعلم أباه بموت الغائب الذي لا يؤوب، وأثار النبأ الموجع الأحزان في نفس الوالد الشيخ المفجوع في فقد أحب أولاده إليه، وألصقهم بنفسه، وأثار الأسى والحرقة في نفس الزوجة التي كانت تحلم بأوبة الزوج الحبيب الغالي، وتشتاق إليه اشتياق الظمآن في اليوم الصائف القائظ إلى الشراب العذب الحلو البارد، وتبدد ما كانت تعلل به نفسها من سعادة وهناءة في كنف الزوج الفتى الوسيم، والذي كان مشغلة المجتمع القرشي والعربي حيناً من الزمان، فما مثله من فتى، وما مثله من زوج!! ولم يكن للجنين عند فقد الأب إلا شهران، وهذا هو الرأي ذكره شيخ كتاب السيرة ابن إسحاق، وتابعه عليه ابن هشام، وهو الرأي المشهور بين كتاب السير والمؤرخين وكان عمر عبد الله حينذاك ثماني عشرة سنة11.

رثاء آمنة لعبد الله:

وروي أن عبد الله لما توفي قالت آمنة ترثيه:

عفا جانب البطحـاء مــن آل هـاشـمٍ وجـاور لحداً خارجاً في الغمـائـم(12)
دعتــه المنـايـا دعــــوة فأجابهـا وما تركـت في النـاس مثـل ابن هاشم
عشيـة راحـوا يحملـون ســريــره تعـاوره أصحابـه فـي التـزاحـم
فإن تـك غالتـــه المنـون وريبــها فقـد كـان معطــاء كثـير التراحم(13)

وفاة آمنة بنت وهب:

لما بلغ النبيّ  - صلى الله عليه وسلم- السادسة من عمره ارتأت أمَّه أن تذهب به إلى أخوال جده عبد المطلب بالمدينة من بني النجار، ليرى مكانة هؤلاء الأخوال الكرام، وقد كان لهذه الخؤولة اعتبارها لما هاجر فيما بعد إلى المدينة، وليقضيا حق الحبيب المغيَّب رمسه في تراب المدينة، وأغلب الظن أن تكون الأم حدَّثت ابنها بقصة أبيه، ومفارقته الدنيا وهو في شرخ شبابه، وأن الابن تاقت نفسه إلى البلد الذي حوى رُفات الأب.

وخرجت الأم والابن ومعهما أم أيمن بركة الحبشية جارية أبيه، ووصل الركب إلى المدينة. وكان المقام في دار النابغة من بني النجار، ومكثوا عندهم شهراً، وزاروا الحبيب الثاوي في قبره، وحرّكت الزيارة لواعج الشوق والأحزان في نفس الأم والابن، وانطبع معنى اليُتم في نفس النبيّ  بعد أن كان لاهياً عنه.

وبعد أن قضوا حاجات النفس عاد الركب إلى مكة، وفي الطريق بين المدينة ومكة مرضت الأم، وحُمَّ القضاء، ودفنت بقرية (الأبواء)(14). وجلس الابن يذرف الدمع سخيناً على فراق أمه، التي كان يجد في كنفها الحب، والحنان، والسلوى، والعزاء عن فقد الأب، وهكذا شاء الله – سبحانه- للنبي - صلى الله عليه وسلم- ولما يجاوز السادسة أن يذوق مرارة فقد الأبوين. وكان النبيّ  - صلى الله عليه وسلم- يذكر أموراً في زَوْرته تلك فقد نظر إلى دار بني النجار بعد الهجرة قائلاً: (هنا نزلت بي أمي، وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله، وأحسنت العوم في بئر عدي بن النجار).

وكان النبيّ  - صلى الله عليه وسلم- كلما مرَّ بقبر أمه زاره، ويبكي ويُبكي من حوله، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: زار النبيّ  - صلى الله عليه وسلم- قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله ، ثم قال: (استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت)(15).

وقال في الرحيق المختوم: رأت آمنة وفاء لذكرى زوجها الراحل أن تزور قبره بيثرب، فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ خمسمائة كليو متراً، ومعها ولدها اليتيم – محمد - صلى الله عليه وسلم-  وخادمتها أم أيمن، وقيمها عبد المطلب، فمكث شهراً، ثم قفلت، وبينما هي راجعة إذا يلاحقها المرض، ويلح عليها في أوائل الطريق، فماتت بالأبواء بين مكة والمدينة (16).



1- السيرة النبوية لابن هشام م1 ص125.

2- هذا الحبيب يا محب/ الجزائري  صـ(61-62). وذكره ابن هشام بالتفصيل في السيرة (1/174) وابن كثير في البداية والنهاية (1/227) دار البيان بيروت/ الطبعة الأولى.

3- الإعلام قاموس تراجم 4/235. ط/3.

4 - راجع: سيرة ابن هشام (1/179). الطبعة الرابعة - دار الكتاب العربي.

5- زاد المعاد(1/76). الطبعة السابعة والعشرون - مؤسسة الرسالة.

6- الروض(1/184) نقلاً من سيرة ابن هشام تعليق عمر تدمري (1/181). الطبعة الرابعة - دار الكتاب العربي.

7 - راجع : هذا الحبيب يا محب صـ(65).

8 - سيرة ابن هشام(1/127).

9 - راجع: هذا الحبيب يا محب، صـ(63). الطبعة الخامسة - مكتبة السوادي للتوزيع.

10 - سيرة ابن هشام (1/193).

11 - راجع : السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة للدكتور محمد أبو شهبة، صـ( 165- 166).

12- هي الأغطية، والمراد بها الأكفان التي لفَّ فيها.

13- السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة أبو شهبة (1/163-164).

14- فرية بين مكة والمدينة.

15- صحيح مسلم ، كتاب الجنائز، باب استئذان النبيّ  صلى الله عليه وسلم  ربه في زيارة قبر أمه (2/ 671) رقم (976). نقلاً من حاشية السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة (1/205- 206) دار القلم - الطبعة الأولى.

16- الرحيق المختوم ص48 مكتبة الإرشاد/ الطبعة الأولى.

قدر النبي صلى الله عليه وسلم

عظم قدر النبي صلى الله عليه وسلم
إن قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الله لعظيم ! وأن كرامته عند الله لكبيرة ! فهو المصطفى وهو المجتبى فلقد اصطفى الله من البشرية الأنبياء واصطفى من الأنبياء الرسل واصطفى من الرسل أولي العزم واصطفى من أولي العزم الخمسة إبراهيم ومحمداً صلى الله عليه وسلم ، واصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم ففضله على جميع خلقه ، شرح له صدره ورفع له ذكره ووضع عنه وزره واصطفاه في كل شيء : اصطفاه في عقله فقال سبحانه: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ( سورة النجم : 2).
اصطفاه في صدقه فقال : وَمَا يَنطِقُ عَن الهوىَ  ( سورة النجم : 3).
اصطفاه في صدره فقال: أَلم نَشْرح لَكَ صَدْرَكَ  (سورة الشرح : 1).
اصطفاه في فؤاده فقال : مَا كَذَبَ الفُؤادُ مَارَأىَ  (سورة النجم : 11).
اصطفاه في ذكره فقال: وَرَفعنَا لَكَ ذكْرَكَ  (سورة الشرح : 4) .
اصطفاه في علمه فقال:  عَلَّمَهُ شَديدٌ القُوىَ  (سورة النجم : 5 ).
اصطفاه في حلمه فقال: بِالمؤمِنينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ  ( سورة التوبة :128 ).
اصطفاه فقال :  وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ  ( سورة الشرح : 2) .
اصطفاه وأرضاه فقال :  وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ( سورة الضحى:5)
اصطفاه في خلقه فقال :  وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلقٍ عَظِيمٍ ( سورة القلم : 4 ) .
ولا يعرف قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الله وهو الذي يشفع للبشرية لفصل القضاء في ذلك الوقت العظيم الذي كل الأنبياء يقول فيه نفسي ، نفسي ، وقد بلغ بالبشرية ما بلغ من الهول والغم والكرب ، فالزحام حينذاك يخنق الأنفاس ، والشمس فوق الرؤوس بمقدار ميل ، والناس غرقى في عرقهم كل بحسب عمله وبحسب قربه من الملك القدير ويزيد المشهد الرهيب غماً فوق الغم وكرباً فوق الكرب بإتيان جهنم والعياذ بالله ، قال تعالى :  وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي، فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ، وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ  (سورة الفجر: 23 - 26 ) ، وعن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها " .
أخرجه مسلم رقم ( 2842 ) 4/2184، والترمذي رقم ( 2573 ) 4 / 701 ، وابن أبي شيبة رقم ( 34117 ) 7 / 48، والطبراني في الكبير رقم ( 10428 ) 10 / 192، والبزار رقم ( 1754 ) 5 /162 ، والحاكم في المستدرك رقم ( 8758 ) 4 / 637 .
وهو اليوم الذي تجثوا جميع الأمم على الركب ، قال الله تعالى :  وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  سورة الجاثية (28) .
ففي هذا الكرب العظيم ينطلق بعض الناس ويقول بعضهم لبعض : ألا ترون ما نحن فيه ؟ ألا ترون ما قد بلغنا ألا تنظرون من يشفع لكم عند ربكم ليقضى بينكم فلا يتقدم للشفاعة يومئذ إلا صاحبها سيد ولد آدم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وحينها يقول كل نبي نفسي ، نفسي ،ويقول حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم أنا لها ، أنا لها وقد وصفه الله عز وجل بالرأفة والرحمة بالمؤمنين فقال تعالى : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ  سورة التوبة (128) ووعده الله عز وجل بأنه سيرضيه في أمته ولا يسوءه فيها فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم " تلا قول الله عز وجل في إبراهيم  رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني  وقال عيسى عليه السلام  إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم  فرفع يديه وقال : اللهم أمتي ، أمتي وبكى فقال الله عز وجل يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال الله : يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك" .
أخرجه مسلم رقم (202 ) 1 / 191 ، والنسائي في السنن الكبرى رقم ( 11269 ) 6 / 373 ، وابن حبان رقم ( 7234 – 7235 ) 16 / 216 – 217 ، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم رقم ( 501 ) 1/ 275 ،وأبو عوانة رقم ( 415 ) 1 / 137، والطبراني في الأوسط رقم ( 8894 ) 8 / 367 .
وأعطاه الله المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون ، وهو الشفاعة قال الله تعالى :  وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا  سورة الإسراء آية (79) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله :  عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً  سئل عنها قال : " هي الشفاعة " . أخرجه أحمد رقم (9733 ) 2 / 444، والترمذي رقم ( 3137 ) 5 / 303 وحسنه ، وابن أبي شيبة رقم ( 31745 ) 6/319 ، وصححـه الألباني في صحيـح سنن الترمذي رقم ( 3137 ) 5 / 303 ، وفي صحيح الجامع رقم ( 6721 ) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً قال :"هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه " .
أخرجه أحمد رقم ( 10851 ) 2 / 528 ، ورقم ( 9682 ) 2/ 441 ، وابن المبارك في الزهد رقم ( 1312 ) ص463، وتمام الرازي في الفوائد رقم ( 793 ) 1 / 315 ، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان رقم (1557 ) 2 / 238 ، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 7 / 140 ، واللالكائي اعتقاد أهل السنة رقم ( 2096 ) 6 / 1113، والطحاوي في شرح مشكل الآثار 3 / 51 ، وذكره العمراني في الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار 3 / 693، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم ( 2369 ) 4 / 485 .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : " إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا كل أمة تتبع نبيها يقولون يا فلان اشفع يا فلان اشفع حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود " .
أخرجه البخاري رقم ( 4441 ) 4 / 1748 ، والنسائي في السنن الكبرى رقم ( 11295 ) 6 / 381 .
__________________
رأس مال المسلم دينه فلا يخلفه في الرحال ولا يأتمن عليه الرجال .
قال طلق بن حبيب: إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى ، قالوا وما التقوى ؟ قال : أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله , وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله .
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت بأن عفوك أعظم

Lire la suite

05/06/2010

5/6/2010 مباراة الجزائر - الإمارات

تقرر أخيرا إقامة المباراة الدولية الودية بين المنتخب الوطني ونظيره الإماراتي يوم 5 جوان القادم بمدينة نورمبرغ الألمانية، حسبما علم أمس الأربعاء من الاتحادية الجزائرية لكرة القدم، وستجري هذه المقابلة بالمكان الذي سيخوض

فيه ''الخضر'' تربصهم التحضيري الثاني والأخير قبل التوجه إلى جنوب إفريقيا للمشاركة في العرس الكروي العالمي.
وخلال التربص التحضيري الأول الذي سيجرى بكرانس مونتانا (سويسرا) من 21 إلى 72 ماي، سيواجه زملاء يبدة وديا المنتخب الإيرلندي يوم 82 ماي القادم بمدينة دوبلن

 

02:34 Publié dans Sport | Lien permanent | Commentaires (0)

هذا ما حدث في مغسلة الاموات

الشيخ ابراهيم الحلوة يحكي قصة شاب مات بحادث طرق

لقطة خطيرة موت على الهواء

نهاية العالم

وصف المهدي المنتظر

الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله. وصف المهدي المنتظر

لماذا لا يرق قلبك لسماع للقران - محمد حسان

قلبك لسماع للقران - محمد حسان

آخر رجل يدخل الجنة

آخر رجل يدخل الجنة لفضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني

الهم وعلاجه للشيخ محمد حسان (1/3

آخر رجل يمر على الصراط و يدخل الجنة للشيخ محمد حسان

آخر رجل يمر على الصراط و يدخل الجنة للشيخ محمد حسان

آخر رجل يدخل الجنة

آخر رجل يدخل الجنة

 

خالد الراشد - قصة مجاهد - الملتقى الجنة

Islamic lesson for shaykh khaled al rashid فصة أحد المجاهدين في سبيل الله

نعيم أهل الجنة للشيخ محمد حسان

مقتطف صغير من سلسلة " النهاية" للشيخ المصري محمد حسان ..
اتمنى ان ينال على اعجاابكم ..والدال على الخير كفاعله ..
لاتنسونا من خالص الدعاء

الجنة و قول رسول الله

01/06/2010

الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية

31/05/2010

متعلقات الرسول واثار منه ومن الصحابه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ملحوظه
الصور موجوده في منتصف الصفحه
اتجه لليسار
لا تنسونا بالدعاء
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الاخوه الاعزاء
هذه الصور لا اعلم مدى صحتها ولكني نقلتها اليكم
لعلمي بمدى شغفنا لمثل هذه الصور
الصور من موقع

Prophet Hairs
شعر النبي

Prophet Hairs 2

شعره من النبي
Prophet Clothes عمامة النبي وبردته وعصاه
عمامة النبي وبردته وعصاه
Prophet Swords
سيوف النبي
Prophet Swords 2
سيوف النبي
SHA3RA SHARIFA
شعره من النبي
Sandal min Jilid li Sayyidina Muhammad
صادل من جلد لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
ghata2 sayf syidina muhammad
غطاء سيف سيدنا محمد
Hair
شعره
sitar qabr prophet Mohamad
يقال انه ستار قبر النبي
Footprint
اثار قدم
Tooth
يقال انه يحتوي على اسنان من النبي
FootPrint2
اثار قدم يقال انها لسيدنا محمد
Ghubar غبار من قبر النبي
غبار من قبر النبي
SHA3RA -SHARIFA2
شعر للنبي
Prophet Hair
شعر النبي
Prophet Letter
رساله نبويه
alsha3rah
شعره نبويه
من اثار النبي
من ءاثار الحبيب
غبار من قبر النبي
الشعرة الشريفة
شعره شريفه
سيف الرسول صلى الله عليه وسلم
سيف النبي
Min Athar al habib
شعر النبي
The clothes & Staff of Prophet Muhammad
عمامة النبي وبردته وعصاه
Prophet Hair
شعره نبويه

شعرة الهادي
شعرة الهادي
شعرة الهادي
شعرة الهادي الامين
شعرة الهادي
الشعرة الشريفة
شعرة النبي
الشعرة الشريفة
شعره نبويه
Al sha^ra2
الشعرة
Sword
سيوف للنبي
سيوف النبي
سيوف الرسول swords of the prophet
سيف الرسول
الشعرة النبوية الشريفة
شعرة الرسول
قميص النبي
قميص النبي
قميص النبي 2 Prophet Shirt
قميص النبي

قميص النبي
الشعرتين الشريفتين الموجودتين في المسجد
شعرتان للرسول
غار حراء ,هجرة النبي cave of hirra
غار حراء

شعرة الرسول
شعرة سيدنا محمد سيد البشر
شعرة الرسول
The Hair of The Prophet Peace be upon him
شعرة الرسول
khatm Alrasul ختم الرسول صلى الله عليه و سلم
ختم الرسول
sword of the prophet قلعى سيف رسول الله
سيف النبي
sword of the prophet العضب سيف رسول الله
سيف النبي
sword of the prophet المأثور سيف رسول الله
سيف الرسول
sword of the prophet ذو الفقار سيف رسول الله
سيف الرسول

شعرات من لحية الرسول
swords of the caliphes سيوف الخلفاء الراشدين
سيوف الصحابه
بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
بيت الرسول
حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
حجرة الرسول
حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم
حوض في بيت الرسول
محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم
المحراب
اثر قدم الرسول عليه الصلاة و السلام
اثر قدم الرسول
موضع قدمي سيدنا ابراهيم
موضع قدمي سيدنا ابراهيم
شعرة الهادي رسول الله
شعره شريفه
شعرة سيدي رسول الله صلى الله عليه و سلم
شعره شريفه
غبار من قبر رسول الله صلى الله عليه و سلم
يوجد بها غبار من قبر النبي
ختم الرسول صلى الله عليه و سلم في تركيا
ختم الرسول بتركيا
kohl jar of the prophet مكحلة سيدي رسول الله
مكحلة رسول الله
سيف سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
سيف سيدنا عمر بن الخطاب
Blessed Beard of Sayyiduna Muhammad Sallallahu alayhi wasallam
Blessed Beard of Sayyiduna Muhammad
هذه الصور من موقع اهل الكتاب والسنه
وما يوجد بها من خطأ فأدعوا الله ان يسامحني عليه
هذه الاشياء من اثار النبوه والصحابه
ليست للتبرك والعباده
احضرتها لندرتها ولعلمي ان الكثير يبحث عنها
ادعو الله ان تنال اعجابكم
ومن يعلم ان بها خطأ فليخبرني
ولا تنسوني بالدعاء
جزاكم الله خيرا
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم

دفاعاً عن الصحابة

1.أبو بكر الصديق: خير هذه الأمة بعد نبيها:

لقد زكّى الله صحابة الرسول عموماً و المهاجرين و الأنصار خاصة وأشار إلى بعضهم مثل أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي نصّ القرآن صراحة أن الله معه :

إِلاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا (40) التوبة

فمن يكون أفضل من اثنين الله ثالثهما ؟ وهل يكون أحد أفضل من أبي بكر إلا النبي صلى الله عليه وسلم ؟! فما من أحد يعادي أبا بكر الصديق إلا كان عدواً لله ، فقد نص القرآن أن الله مع أبي بكر، كما أخبره الرسول صلى الله عليه و سلم بالغار، و وصفه الله أنه صاحب رسول الله، و قد أجمع السنة و الشيعة و الخوارج على أن أبو بكر هو صاحب رسول الله (صلى الله عليه و سلم) في الغار. و لم ينل أحد هذا الفضل إلا أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

و من أفضال أبو بكر أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قد جعله أميراً للحج. قال بن القيّم:
ثم أقام رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد رجوعه من تبوك -بقيّة رمضان و شوّال و ذي القعدة- ثم بعث أبا بكر رضي الله عنه أميراُ على الحج ليقيم للناس حجهم. و أهل الشرك على دينهم و منازلهم من حجهم. فخرج أبو بكر في ثلاثمائة من المدينة. و بعث رسول الله (صلى الله عليه و سلم) بعشرين بدنة. قلّدها و أشعرها بيده، ثم نزلت سورة "براءة" في نقض ما بين رسول الله (صلى الله عليه و سلم) و بين المشركين من العهد الذي كانوا عليه، فأرسل بها علي بن أبي طالب على ناقته العضباء، ليقرأ "براءة" على الناس. و ينبذ إلى كل ذي عهد عهده, فلمّـا لقي أبا بكر قال له: "أمير, أو مأمور؟ فقال علي: بل مأمور", فلمّـا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب، فقال: يا أيها الناس! لا يدخل الجنة كافر, و لا يحج بعد العام مشرك، و لا يطوف بالبيت عريان. و من كان له عهد عند رسول الله (صلّى الله عليه و سلّم) فهو إلى مدّته.
زاد المعاد (1 / 186).

و بعد ذلك، و في آخر أيّـامه صلّى الله عليه و سلّم عندما مرض يأمر أبا بكر ليصلّي بالناس بدلاُ عنه صلّى الله عليه و سلّم و علي و العبّاس رضي الله عنهما كانا حاضرين.

و إن كان أحد قد توهم أن نص القرآن بفضل أبي بكر و ما ذكرناه من إمامة أبو بكر (رضي الله عنه) لا علاقة له بأحقيته في الخلافة، فإن علي (رضي الله عنه) قد تكفل في الرد على هذا الزعم. فقد قال علي (رضي الله عنه) عن الخلافة في كتاب نهج البلاغة و هو أصدق الكتب عند الشيعة:

(((( و إنا لنرى أبا بكر أحق بها - أي بالخلافة - إنه لصاحب الغار. و إنا لنعرف سنه. و لقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم بالصلاة خلفه و هو حي )))). نهج البلاغة، تحقيق العالم الشيعي الشريف الرضي 1 / 132

و يقول علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) و هو يذكر بيعته لأبي بكر ((... فمشيت عنـد ذلك إلى أبـي بكر فبـايعته و نهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل و زهق و كانت ( كلمة الله هي العليا و لو كره الكافرون ) فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسر و سدد و قارب و اقتصد فصحبته مناصحاً و أطعته فيما أطاع الله فيه جاهداً )). الغارات للثقفي (2 / 305).

و يقول عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه (( لله بلاء فلان فقد قوم الأود، و داوى العمد، خلف الفتنة و أقام السنة، ذهب نقي الثوب قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي فيها الضال ولا يستيقن المهتدي )). نهج البلاغة ص (509).

و انظر شهادة الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه في فضل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن سائر صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم. و انظر أيضاً إلى محبة أهل البيت (الذين يدعي الشيعة الإنتماء لهم) لأبو بكر الصديق رضي الله عنه.

2.أم المؤمنين عائشة: أحب الناس إلى رسول الله:

لقد زكّى الله أزواج النبي وعلى رأسهن عائشة بنت أبي بكر، و برأها في سورة النور من حديث الإفك، و جعلها الله وبقية أزواج النبي أمهات للمؤمنين، فمن كان مؤمناً فإن عائشة أمّه، و لا ينال منها إلا من أعلن أنّ التي سمّاها الله ( أم المؤمنين) ليست أمّه ، وبذلك فهو يعلن أنه ليس من المؤمنين.

النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (6) الأحزاب

ستحمل عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها لقب ( أم المؤمنين) إلى يوم القيامة رغماً عن كل راغم، فمن لم يعجبه كلام الله ، فليمت في غيظه ، ولن يعالج مرضه سوى الكيّ بنار جهنم.

و من أحسن من أم المؤمنين عائشة (ر) و هي أرجح نساء رسول الله (ص) عقلاً و أفقههم ديناً و أحبَّهنَّ إليه؟ أخرج البخاري: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ كَانَتْ لاَ تَسْمَعُ شَيْئًا لاَ تَعْرِفُهُ إِلاَ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ.

و أخرج أيضاً: أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ قَالَ فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَام.

و أخرج مسلم في صحيحه: عَنْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلاَسِلِ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ عَائِشَةُ قُلْتُ مِنَ الرِّجَالِ قَالَ أَبُوهَا قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ عُمَرُ فَعَدَّ رِجَالاً.

3.صحابة رسول الله من المهاجرين و الأنصار:

زكّى الله صحابة الرسول عموماً ورضي عنهم :

محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما (29) الفتح

فمن أغاظه الصحابة ، فليراجع دينه ، فالآية صريحة و واضحة.

والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (100) التوبة

لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) الفتح.

و الصحابة كانو ألفاً و أربعمئة. و الرضا من الله صفة قديمة، فلا يرضى إلا عن عبد علم أن يوافيه على موجبات الرضا -و من رضي الله عنه لم يسخط عليه أبداً- فكل من أخبر الله عنه أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة، و إن كان رضاه عنه بعد إيمانه و عمله الصالح؛ فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه و المدح له. فلو علم أنه يتعقب ذلك بما سخط الرب لم يكن من أهل ذلك. فمن أخبرنا الله عز وجل أنه علم ما في قلوبهم، و رضي عنهم، و أنزل السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم أو الشك فيهم البتة. و عن عمرو عن جابر قال : كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم : (( انتم اليوم خير أهل الأرض )).

لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم (117) التوبة

لا يختلف اثنان أن كبار الصحابة أمثال الخلفاء الراشدين والمهاجرين والأنصار ، أنهم أول من شملتهم هذه الآيات الكريمة، فضلاً عن بقية الصحابة و عددهم ثلاثين ألفاً. فالسابقون الأولون مشهورون و معروفة أسمائهم و لا يجهلهم أحد على مستوى العالم بأسره، وقد نصّ القرآن أن الله قد رضي عنهم وبشرهم بالجنة، فكيف نترك كلام الله و نسمع لمن في قلبه مرض ، الذي يريدنا أن نبغض من أحبهم الله ؟ هل بلغ بنا الغباء أن نسجُر أنفسنا بنار جهنم فنعادي ونحارب من أحبهم الله.

وهذه آيات عامة تزكي المهاجرين والأنصار وصحابة رسول الله عموماً:

والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (9) الحشر

للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (8) الحشر

إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم (218) البقرة

فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب (195) آل عمران

والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74) الأنفال

الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (20) التوبة

يجب أن نحب ونقتدي بمن أحبه الله وأنزل به سلطاناً في كتابه العظيم، ولكن لا نعبدهم وندعوهم من دون الله.فأولياء الله يفترض أن يأمرونا بعبادة الله لا بعبادتهم هم .فالجاهل يظن أنه إن عبد وليـّاً لله فسوف يرضى الله عنه. والجاهل يظن أنه لو دعا وليـّاً لله لاستجاب الله له. و لو علم هذا الجاهل أنه بفعله يحرم نفسه من رحمة الله وعفوه إلى الأبد ما دعا من دون الله أحداً.

ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (80) آل عمران

النبي لا يدعو الناس لعبادته أو لعبادة الملائكة و لكن لعبادة الله. فإذا لم يأمرنا النبي بعبادته أو عبادة الملائكة فكيف نعبد من هم أقل منه وأقل من الملائكة ، كالصالحين والأئمة وغيرهم من الناس ؟

30/05/2010

بناء المسجد النبوي

عندما قدم النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة ، كان همّه الأول أن يوطّد دعائم الدولة الإسلامية الناشئة ، فشهدت الأيّام الأولى من وصوله القيام بعدد من الخطوات المباركة والتي من شأنها أن تؤمّن مستقبلها ، وتحمي أرضها ، وتنظّم العلاقات بين أفرادها .

وكانت أولى نسمات الخير التي أتت بها الهجرة المباركة ، بناء المسجد النبوي ، فبعد أعوام عديدة من حياة الخوف والقلق ، والمعاناة من الشدّة والتضييق ، والحرمان من المجاهرة بالشعائر التعبدية ، والاضطرار إلى الصلاة بعيداً عن أعين الناس في الشعاب والأودية ، أو خفيةً في البيوت ، إذا بهم يجدون حريّتهم الكاملة في أداء صلاتهم وإقامة شعائرهم دون خوفٍ أو وجل ، في بيوت الله تعالى .

وجاء إنشاء المسجد النبوي بعد وقتٍ قصيرٍ من مقدم النبي – صلى الله عليه وسلم - ، فقد كان يصلي حيث أدركته الصلاة باديء الأمر ، ولم يمض أسبوعان على وصوله حتى شرع في البحث عن مكان مناسب للبناء ، واستقرّ رأيه على مربد - وهو الموضع الذي يُجفّف فيه التمر - كان ملكاً لغلامين يتيمين في المدينة يعيشان عند أسعد بن زرارة رضي الله عنه ، ووقع اختيار النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك المكان عندما بركت راحلته فيه أثناء بحثه ، وقال حينها : ( هذا إن شاء الله المنزل ) رواه البخاري .

ثم طلب النبي – صلى الله عليه وسلم – من سادات بني النجار الحضور ومعهم الغلامين ليعرض عليهم شراء تلك الأرض ، وقال لهم : ( يا بني النجار ، ثامنوني بحائطكم هذا – أي اطلبوا له ثمنا - ) ، فقالوا : " لا والله لا نطلب ثمنه " ، وقال الغلامان : " بل نهبه لك يا رسول الله " ، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أبى لعلمه بحاجتهما ، وعوّضهما بالثمن المناسب ، رواه البخاري .

وقبل الشروع في البناء كان على المسلمين تسوية الأرض ، وقطع النخيل ، حتى يتمكّنوا من صفّ الحجارة في قبلة المسجد التي كانت تتجه نحو بيت المقدس آنذاك .

وما أعظم سرور الصحابة وهم يعملون جنباً إلى جنب ، بهمّة عالية ، وإرادة صلبة ، وعزيمة لا تلين ، ويروّحون عن أنفسهم بأبيات من الشعر تزيد من نشاطهم ، وتخفّف عنهم مشقّة العمل ، فمن ذلك قولهم :

هذا الحمال لا حمال خيبر    هذا أبر ربنا وأطهر

ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشاركهم في نقل الحجارة وإنشاد الأشعار ، فثبت في صحيح البخاري أنه كان يرتجز بقول الشاعر :  

اللهم إن الأجر أجر الآخرة  فارحم الأنصار والمهاجره

وفي الوقت الذي كان الصحابة يحملون فيه الحجارة لبنة لبنة ، كان عمار بن ياسر رضي الله عنه يحمل لبنتين في كلّ مرّة ، فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم – وهو على هذه الحال فجعل ينفض التراب عن رأسه ويقول : ( يا عمار ، ألا تحمل لبنة لبنة كما يحمل أصحابك ؟ ) ، فردّ عليه قائلاً : " إني أريد الأجر عند الله " فالتفت النبي – صلى الله عليه وسلم – لأصحابه وقال : ( ويح عمار ، تقتله الفئة الباغية ) رواه البخاري .

ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم – صحابيّاً من اليمامة ، فأعجب بمهارته في خلط الطين وتجهيزه ، فقال : ( قدموا اليمامي من الطين ؛ فإنه من أحسنكم له مسّاً ) ، وفي رواية : ( قربوا اليمامي من الطين فإنه من أحسنكم له بناء ) رواه ابن حبان و البيهقي .

وخلال فترةٍ وجيزة ، استطاع الصحابة رضوان الله عليهم أن ينتهوا من بناء المسجد ، وقد جعلوا سواريه من جذوع النخل ، وأعلاه مظلل بالجريد وسعف النخيل واستغرق بناؤه اثني عشر يوماً ، ثم أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – ببناء حجرات لنسائه ، وحدّد موقعها بحيث تحد المسجد من جهة الشمال والشرق والجنوب ، وبعد اكتمالها ترك النبي – صلى الله عليه وسلم – دار أبي أيوب رضي الله عنه وانتقل للسكنى فيها .

وببناء المسجد النبوي تحقّق للمسلمين حلمهم الكبير في الاجتماع للعبادة وذكر الله ، ولم يتوقّف دور المسجد عند هذا الحد بل صار موضعاً للحكم والقضاء، وإدارة الدولة وسياستها، ومنطلقا لقوافل الجهاد ، ومأوى للفقراء من أهل الصفّة ، ومنارة لتعليم القراءة والكتابة ، تشعّ أنوار الهدى حتى يومنا هذا .

خروج النبي للبقيع

عن عائشة رضي الله عنها قالت : " لما كانت ليلتي التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها عندي، انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظنّ أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويدا وانتعل رويدا وفتح الباب فخرج، ثم أجافه رويدا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره، حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعتُ، فهرول فهرولتُ، فأحضر فأحضرتُ، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال مالك:   (يا عائش حشيا رابية) ؟، قلت: لا شيء، قال: (لتخبريني أو ليخبرنّي اللطيف الخبير) ، قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي،  فأخبرتُهُ فقال: (فأنت السواد الذي رأيت أمامي) ؟ قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني، ثم قال: (أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله) ؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله؟ قال: (نعم) ، قال: (فإن جبريل أتاني حين رأيتِ، فناداني فأخفاه منك، فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعتِ ثيابك، وظننتُ أن قد رقدتِ، فكرهتُ أن أوقظكِ، وخشيت أن تستوحشي، فقال: إن ربّك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم) ، قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: (قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) " رواه مسلم .

وفي رواية الإمام أحمد : " فلهزني في ظهري لهزة فأوجعتني".

معاني المفردات

انقلب : أي تحوّل عنها.

فلم يلبث إلا ريثما ظنّ أن قد رقدت: انتظر الوقت الكافي لنومها.

رويدا : ببطئ.

أجافه : أغلقه.

اختمرت : لبست خمارها.

تقنعت إزاري : لبست إزاري.

البقيع : مقبرة بالقرب من مسجد النبي عليه الصلاة والسلام.

فأحضر : الحضر هو العدْو السريع.

حشيا رابية : هو مرض يسبّب ارتفاع صوت النفس مع تسارعه.

لهدني : اللهد :الدفع بجميع الكف في الصدر ، وهو ما جاء في الرواية الأخرى (لهزني).

يحيف الله عليك : الحيف هو الظلم.

تستوحشي: الوحشة : الخوف من الوحدة.

تفاصيل القصّة

ضربةٌ قويّةٌ تلقّاها صدر عائشة رضي الله عنها من يد النبي – صلى الله عليه وسلم -فآلمتها وأوجعتها، لكن حرارة تلك الضربة لم تتعدّ الجسد، بل – وياللعجب – كانت أحبّ إليها من أي شئ آخر، ويبرز السؤال: ما الذي جعل النبي عليه الصلاة والسلام يقدم على هذا الفعل؟، ولماذا هان الألم على زوجته وأحبّ الناس إليه؟، وفوق ذلك: كيف استطاعت أم المؤمنين بفطنتها وحنكتها أن تستثمر الموقف وتدير دفّته لينتهي الموقف بتقرير أحكامٍ عظيمة وفوائد جليلة، تعود نفعها على الأمّة إلى قيام الساعة؟

لإدراك أبعاد الموقف علينا العودة إلى البداية، حين أرخى الليل سدوله والنبي – صلى الله عليه وسلم – مستلقٍ على فراشه بجوار عائشة رضي الله عنها، يظنها مستغرقةً في نومها، فانسلّ من بين يديها، ثم انتعل حذاءه وأغلق الباب وراءه وهو حريصٌ على ألاّ يصدر صوتاً يوقظها.

والذي لم يكن النبي – صلى الله عليه وسلم – يعلمه، أن زوجته كانت تتصنّع النوم وتتظاهر به، وتبصره من طرف لحافها وهو يخرج من البيت، وحدّثتها نفسها عن سرّ خروجه عليه الصلاة والسلام في مثل هذه الليلة الليلاء، أحاجةٌ ماسّة؟ أم لقضاء حاجةٍ في نفسه؟

وما إن مسّ هذا الخاطر فكرها، حتى نهضت فزعةً إلى ردائها، مدفوعةً بحرارة الغيرة لتقفو أثره وتقف على خبره، وظلّت تسير خلفه حتى رأته يدخل البقيع ويقصد قبور أصحابه، ثم يقف بين ساكنيها، ومكث فيها طويلاً يرفع يديه حيناً ويخفضها أخرى.

وبينما عائشة رضي الله عنها ترمق النبي – صلى الله عليه وسلم – من بعيد وهي غارقة في تأمّلاتها، إذ بالنبي عليه الصلاة والسلام يستدير متّجهاً صوب بيته، فأجْفلت رضي الله عنها وسارعت بالعودة كي لا يراها، لكنها بدأت تلحظ أن خطواته عليه الصلاة والسلام آخذةٌ بالتسارع، حتى تحوّل مشيه إلى عدو سريع، لكنّها رضي الله عنها كانت أسرع منه، فاستطاعت أن تسبقه إلى البيت فتخفّفت من ثيابها واستلقت على فراشها تتظاهر بالنوم، وأنّى لمن كان يركض قبيل لحظات أن يعود إلى فراشه هادئاً منتظم الأنفاس!

ذلك ما جعل النبي – صلى الله عليه وسلم – يكتشف أمرها بسهولة، وحاصرها بالأسئلة حتى اعترفت أنها كانت تتبعه من بعيد، وهنا لهزها النبي عليه الصلاة والسلام بيده الشريفة في صدرها معاتباً لها على فعلها، ثم قال : (أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟) ، ثم أخبرها بأن جبريل عليه السلام أبلغه بأن يذهب إلى أهل البقيع كي يستغفر لهم، وأنّه خشي أن يوقظها فتشعر بالوحدة والوحشة.

ويُختتم الموقف بمحاولة ذكيّة في إخراج الحوار من قضيّة العتاب إلى قضيّة السؤال والتعلّم، فبادرت بالاستفسار عن السنّة القولية عند زيارة القبور، فكان الجواب : (قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) ".

إضاءات حول الموقف

لا شكّ أن الموقف الذي بين أيدينا مليء بالعبر والدروس التي تحتاج إلى تأمّل، من ذلك: الدرس العمليّ الذي قدّمه النبي –صلى الله عليه وسلم – لأمته في حسن العشرة ومراعاة المشاعر، من خلال خشيته في إيقاظ زوجته وحرصه على الخروج بهدوء، نلحظ ذلك من خلال عددٍ من الألفاظ التي تكرّرت في الحديث، كقولها : ( فلم يلبث إلا ريثما ظنّ أن قد رقدت) و (فأخذ رداءه رويدا وانتعل رويدا) و (أجافه رويدا) ، وبالرغم من هذه الرّقة المتناهية والحنان البالغ، نجده لا يتردّد في معاتبة عائشة رضي الله عنها بالقول والفعل، وليس هناك تناقضٌ بين الموقفين، بل هو تعامل مع كلِّ منهما بما يُناسب، والحكمة أن تضع الشيء في موضعه كما هو معروف، وهذا التأديب في إطاره المقبول، الذي لا يكسر سنّاً، أو ينكأ جرحاً، أو غير ذلك مما جاء تحريمه.

ومن الأمور التي أشار إليها الحديث ضرورة العدل بين الزوجات في الأوقات، فيُعطي الواحدة نصيبها، ولا يذهب في ليلة الأولى إلى غيرها، اللهم إلا أن تكون ثمّة ضرورة أو حاجة تدعو إلى ذلك، فلا بأس من الذهاب إذا أذنت صاحبة الحق، والحاجة تُقدّر بقدرها.

وفي شأن الدعاء احتوى الحديث على عددٍ من الآداب : ففيه استحباب إطالته، وفيه رفع اليدين أثناء ذلك، كذلك فإنه يُرشد إلى ما يُقال عندها، وهو قول : ( السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ) ، وجاءت في السنّة ألفاظٌ أخرى معروفة في مواطنها.

وفي زيارة النبي – صلى الله عليه وسلم - المقابر ليلاً دليل على مشروعيّتها، إذ المقصود الاتعاظ والذكرى، والدعاء للميّت بالمغفرة والرحمة، مع ضرورة التقيّد بالأحكام الشرعيّة الواردة في الزيارة،وتجنّب الممارسات الممنوعة من النياحة ولطم الخدود، أو قول الباطل وفعله.

أخلاق الحبيب صلى الله عليه وسلم

نشأ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أول أمره إلى آخر لحظة من لحظاته متحلياً بكل خلق كريم، مبتعداً عن كل وصف ذميم، فهو أعلم الناس، وأفصحهم لساناً، وأقواهم بياناً، وأكثرهم حياءً، يُضرب به المثل في الأمانة والصدق والعفاف، أدبه الله فأحسن تأديبه، فكان أرجح الناس عقلاً، وأكثرهم أدباً، وأوفرهم حلماً، وأكملهم قوة وشجاعة، وأصدقهم حديثاً، وأوسعهم رحمة وشفقة، وأكرمهم نفساً، وأعلاهم منزلة، ويكفيه شهادة ربه عز وجل له بقوله:{ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } (القلم:4).

وبالجملة فكل خلق محمود يليق بالإنسان فله - صلى الله عليه وسلم - منه القسط الأكبر، والحظ الأوفر، وكل وصف مذموم فهو أسلم الناس منه، وأبعدهم عنه، شهد له بذلك القاصي والداني، والعدو والصديق، ومن ثم كانت مكارم الأخلاق، سمة بارزة في قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفعله وسيرته .

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:( لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدمه وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر ، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق )( البخاري ). 

ولما سأل النجاشي ـ ملك الحبشة ـ جعفر بن أبي طالب : ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من الملل؟، قال جعفر : أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسئ الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات .. .

وكانت أخلاقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أهم وسائل دعوته للناس، وخاصة قريش الذين عايشوه صبيا وشابا قبل بعثته، وكانوا يسمونه "محمد الأمين"، ومن ثم أعلنها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واضحة:( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ( أحمد ).

وقال أنس ـ رضي الله عنه ـ:( خدمت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عشر سنين، فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعتُه لم صنعتَه، ولا لشيء تركته لِم تركته، وكان رسول الله ـ  صلى الله عليه وسلم ـ أحسن الناس خُلقا ) ( البخاري ).

ويقول عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ:( لم يكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاحشا ولا متفحشا، وكان يقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن من خياركم أحسنكم أخلاقا ) (متفق عليه).

وكيف لا يشهد له العدو والصديق بمكارم الأخلاق، وقد هذبه القرآن وربَّاه، ولما سأل سعد بن هشام ، أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن خلق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟، قالت له: ( ألست تقرأ القرآن؟، قال: بلى، قالت: فإن خلق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان القرآن ) ( مسلم ).

وكان حسن أخلاقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشمل ويعم جميع من حوله، فكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعامل زوجته بالإكرام، والود والحب، والتلطف والمداعبة،ويقول:( خيركم خيركم  لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) ( الترمذي )، وكان يعين أهله ويساعدهم، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:( كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخيط ثوبه، ويخصف نعله ) ( أحمد ). فكان عطوفا ودودا طوال حياته مع أهله، حتى مع مرضعته حليمة السعدية ـ رضي الله عنهاـ، كان يفرش لها رداءه، ويعطيها من الإبل ما يغنيها في السنة الجدباء.

وكذلك كان مع أصحابه يؤلفهم ولا ينفرهم، ويتفقدهم ويعودهم، ويعطى كلَّ مَنْ جالسه نصيبه من العناية والاهتمام، حتى يظن جليسه أنه ليس أحدٌ أكرم منه، وكان لا يواجه أحداً منهم بما يكره.

وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع كثرة أعبائه ومسئولياته، يداعب طفلا ويسأله عن عصفور لديه، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : ( كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ يقال له أبو عمير، كان يقول له: يا أبا عمير ما فعل النغير(طائر صغير يشبه العصفور) ) ( البخاري ).

بل شمل عطفه ووده وحسن خلقه الحيوان، فكان يقرب للهرة(القطة) الإناء لتشرب .

ومن حياته وسيرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ نرى حسن أخلاقه حتى مع أعدائه، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ:( أن يهود أتوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقالوا السام (الموت) عليكم، فقالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: عليكم، ولعنكم الله وغضب الله عليكم، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : مهلا يا عائشة عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش، قالت: أولم تسمع ما قالوا؟، قال: أولم تسمعي ما قلتُ؟، رددت عليهم فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم في ) ( البخاري ).

بل انظر إلى شفقته ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع من آذاه.. فعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال:( كأني أنظر إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحكي نبيا من الأنبياء (يعني نفسه)، ضربه قومه فأدموه، فهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) ( البخاري ).. وحينما تعرض له أهل الطائف بالضرب والإيذاء، جاءه ملَك الجبال ليطبق عليهم الجبلين، فرفض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقال : ( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا )( البخاري ) .

قال القاضي عياض رحمه الله: وأما الأخلاق المكتسبة من الأخلاق الحميدة، والآداب الشريفة التي اتفق جميع العقلاء على تفضيل صاحبها، وتعظيم المتصف بالخلق الواحد منها فضلا عما فوقه، وأثنى الشرع على جميعها، وأمر بها، ووعد السعادة الدائمة للمتخلق بها، ووصف بعضها بأنه جزء من أجزاء النبوة، وهي المسماة بحسن الخُلق، فجميعها قد كانت خلق نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ..

نسأل الله الكريم ربّ العرش العظيم أن يوفقنا جميعا للتخلق بأخلاق هذا النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأن يمن علينا بالتوفيق لاقتفاء آثاره، والسير على نهجه، وأن يميتنا على سنته، ويحشرنا في زمرته، ويجعلنا من الفائزين بشفاعته .

الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم

عن صفية بنت حيي رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً فحدّثته، ثم قمتُ فانقلبت، فقام معي ليقلبني -وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد رضي الله عنهما-، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي -صلى الله عليه وسلم- أسرعا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( على رسلكما، إنها صفية بنت حيي ) ، فقالا: سبحان الله يا رسول الله!، فقال: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يَقذف في قلوبكما سوءا -أو قال شيئا- ) ". متفق عليه، واللفظ للبخاري .

معاني المفردات

فقام معي ليقلبني: أي ليرجعني إلى داري

على رسلكما: عليكم بالأناة ولا تعجلا.

إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم: جعل بعض العلماء اللفظ على ظاهره، وأن الله تعالى جعل للشيطان قوة وقدرة على الجري في باطن الانسان مجاري دمه، وقيل: هو على الاستعارة لكثرة إغوائه ووسوسته، فكأنه لايفارق الانسان كما لايفارقه دمه، والمعنى الأوّل أقرب للصواب.

تفاصيل الموقف

لم يكن النبي –صلى الله عليه وسلم- في شهرٍ من الشهور أكثر إقبالاً على الطاعة، ولا جوداً بالخير، ولا تفيّؤاً في ظلال الذكر، من شهر رمضان، وكيف لا يكون حاله كذلك وهو شهر تفتّح فيه أبواب الجنّة؟ وتغلق فيه أبواب النار؟ ويكثر فيه العتقاء من النار؟

ولتحقيق هذه المكاسب الأخرويّة اختار النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يعتكف في مسجده، في عزلةٍ شعوريّةٍ تمنحه تفرّغاً أكبر للعبادة والمناجاة والاستغراق فيهما، في ضيافة بيت من بيوت الله عزّ وجل.

وهذا الانقطاع التعبّدي الذي كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يقوم به، ليس من جنس الرهبانيّة الأولى، التي ابتدعها أهل الكتاب من عند أنفسهم، ولكنّه تخفّف من الدنيا وملهياتها، تخفّف لا يحرّم الكلام أو يمنع المباح، ولكن يُعطي مجالاً للحديث مع الآخرين في شؤون دينهم ودنياهم، ولذلك كانت زوجاته عليه الصلاة والسلام يقمنَ بزيارته في معتكفه بين الحين والآخر.

ومن بين تلك الزيارات: قدوم صفيّة بنت حيّي رضي الله عنها إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- في المسجد لتحدّثه حول بعض شؤونها، فكان أن لبّى النبي عليه الصلاة والسلام حاجتها إلى الحديث ورغبتها في الزيارة ولم يعاجلها حتى أوغل الليل واشتدّت ظلمته.

ولليل رهبته وللظلام وحشته مهما كانت رباطة الجأش وقوّة القلب، خصوصاً إذا ما تعلّق الأمر بالنساء ورقّتهنّ، ما جعل النبي –صلى الله عليه وسلم-  يقرّر أن يرافق زوجته في طريق العودة حتى لا يساورها الخوف أو يخالجها الفزع، فخرج عليه الصلاة والسلام معها حتى يوصلها إلى البيت الذي تسكن فيه، وهي دار أسامة بن زيد رضي الله عنهما.

في هذه الأثناء كان هناك رجلان من الصحابة يمرّان بالطريق الذي قصده الرسول–صلى الله عليه وسلم – و صفيّة ، فأبصرا النبي عليه الصلاة والسلام ومعه امرأة متّشحة بالسواد، فاستحيا وأسرعا مبتعدين، ولم يدر في تفكيرهما أي خاطر من أي نوع.

لكن النبي –صلى الله عليه وسلم- وهو طبيب القلوب، والعالم بمكائد الشيطان وحبائله، خشي من الوسواس الخنّاس أن يزرع في قلوبهما ريبةً أو شكّاً، أو أن يمور في نفوسهما شيء من ذلك –ولو كان خاطراً عابراً -، وسوء الظنّ بالأنبياء كفر.

وقطعاً لدابر الفكرة بادر النبي –صلى الله عليه وسلم – بقوله : ( على رسلكما، إنها صفية بنت حيي ) ، وفي رواية : (  تعاليا، إنها صفية بنت حيي ) .

تملك الذهول الرجلين، وهتفا على الفور : " سبحان الله! "، تنزيهاً لله أن يقع نبيّه في ما يشين وهو الطاهر المطهّر، ونفياً قاطعاً أن يكون قد خطر على البال من أمثال تلك الواردات السيئة والظنون الرّديئة.

ولكن الدرس الذي أراد النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يعلّمه أصحابه عن طبيعة  عدوّهم، اللصيق بهم أينما كانوا وحيثما حلّوا: ( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ) .

إضاءات حول الموقف

شعار هذا الموقف النبوي العظيم هو الاستبراء للعرض وعدم الوقوف في مواقف الريبة؛ حتى يقطع دابر الفتنة، ويحمي المسلم سمعته أن تلحق بها تهمة؛ ذلك أن الخواطر تبدأ فكرةً، ثم لا يلبث اللسان أن يبوح بها لقريب أو صديق، ومع مرور الوقت تتناقل الألسنة قالة السوء، ليوصم صاحبها بما هو بريء منه ولا حيلة له في دفعه، فتضيع الثقة وتشوّه السمعة.

يقول الإمام الخطابي : " في هذا الحديث من العلم استحباب أن يحذر الإنسان من كل أمر من المكروه مما تجري به الظنون ، ويخطر بالقلوب ، وأن يطلب السلامة من الناس بإظهار البراءَة من الريب " .

ولهذا البعد الأخلاقي أمر النبي –صلى الله عليه وسلم- بالتفرقة بين عقبة بن الحارث رضي الله عنه وزوجه عندما ادّعت عجوز أنها قامت بإرضاعهما معاً، وبالتالي فهما أخوان من الرضاعة، وعندما قال عقبة رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام : "يا رسول الله، ما صدقت "، فكان جوابه عليه الصلاة والسلام : ( كيف وقد قيل؟ ) رواه البخاري .

ومما نستشرفه من معاني هذه القصّة: شفقة النبي -صلى الله عليه و سلم- على أمته وصيانته لقلوب أتباعه وأفكارهم، وجواز زيارة المرأة لزوجها المعتكف في أي ساعة من ليل أو نهار على أن يكون بالقدر المعقول الذي لا يجرّ إلى إفساد الاعتكاف، كما أن في القصّة جواز التسبيح تعظيما للشيء وتعجبا منه، وشواهد ذلك كثيرةٌ في الكتاب والسنّة.

الإسراء والمعراج دروس وعبر

تولد المنح من رحم المحن، وبعد العسر يأتي اليسر، وقد تعرض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمحن كثيرة، فقريش أغلقت الطريق في وجه الدعوة في مكة، وأحكمت الحصار ضد الدعوة ورجالها، وفقد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عمه الشفيق، وتجرأ المشركون عليه، وفقد زوجه الحنون التي كانت تواسي وتعين، ثم حوصر بعد ذلك ثلاث سنوات في شِعب أبي طالب ، وما صاحبه من جوع وحرمان، و ما ناله في الطائف من جراح وآلام، ومع ذلك كله فرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ماض في طريق دينه ودعوته،  صابر لأمر ربه . . فجاءت رحلة الإسراء والمعراج مكافأة ومنحة ربانية ، على ما لاقاه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من آلام وأحزان، ونَصَب وتعب، في سبيل إبلاغ دينه ونشر دعوته .

ويعرف عند العلماء بأن الإسراء: الرحلة من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، أما المعراج فهو الصعود إلى السماوات السبع وما فوقها.. وقد جاء حديث القرآن الكريم عن الإسراء في سورة  الإسراء، وعن المعراج في سورة النجم، قال تعالى :{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } (الإسراء:1)، وقال تعالى: { أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى. مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى. لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } (النجم 18:12)..

أما تفاصيل هذا الحدث وهذه المعجزة ، ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( أتيت  بالبراق ـ وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه ـ، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة (حلقة باب المسجد الأقصى)، التي يربط الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ـ عليه السلام ـ  بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل اخترت الفطرة (الإسلام والاستقامة).. ثم عُرِجَ بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصحبة جبريل إلى السماء الدنيا ، فاستفتح جبريل ، فسُئِل عمن معه؟، فأخبر أنه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ففُتح لهما.. وهكذا سماء بعد سماء ، حتى انتهيا إلى السماء السابعة، فلقيا في السماء الأولى آدم عليه السلام ، وفي الثانية يحيى وعيسى عليهما السلام ، وفي الثالثة يوسف عليه السلام ، وفي الرابعة إدريس عليه السلام ، وفي الخامسة هارون عليه السلام، وفي السادسة موسى عليه السلام، وفي السابعة إبراهيم عليه السلام . . ولقي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كل سماء من الترحيب ما تقر به عينه وهو لذلك أهل.. ثم رُفع برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى سدرة المنتهى، فأوحى الله إليه ما أوحى، وفرضت عليه الصلاة خمسين صلاة كل يوم، فأوصاه موسى ـ عليه السلام ـ أن يعود إلى ربه يسأله التخفيف، فما زال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفعل حتى أصبحت خمسا بدل الخمسين .. وعاد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى بيت المقدس ، فصلى بالمسجد الأقصى صلاة الصبح  إماما والأنبياء خلفه.. )  وانتهت رحلته ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وبعد عودته إلى مكة ذهب عنه كل كرب وغم، وهم وحزن.. وحينما أخبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قومه برحلته، و بما رآه من آيات ربه، اشتد تكذيبهم له، وارتد بعض من لم يرسخ الإيمان في قلبه، وذهب بعض المشركين إلى أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ وقالوا له : إن صاحبك يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس ، فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ : إن كان قال فقد صدق . .

إن رحلة ومعجزة الإسراء والمعراج لم تكن مجرد حادث عادي، بل اشتملت هذه الرحلة النبوية على معان كثيرة، ودروس عظيمة، فمن ذلك أن :  

الإسلام دين الفطرة ، وقد ظهر ذلك في اختيار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اللبن على الخمر، وبشارة جبريل ـ عليه السلام ـ للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله : هُدِيت إلى الفطرة،  ففي ذلك دلالة على أن الإسلام هو الدين الذي يلبي نوازع الفطرة في توازن بين الروح والجسد،  والمصالح والمفاسد، والدنيا والآخرة، فلو أن الفطرة كانت جسما ذا طول وأبعاد، لكان الدين الإسلامي الثوب المفصل على قدره، وهذا من أهم أسرار سرعة انتشار الإسلام وإقبال الناس عليه، رغم ما يوضع أمامه من عوائق وعقبات..  قال تعالى :{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } (الروم:30).

وفي الإسراء والمعراج  ظهرت : شجاعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الجهر بالحق، يظهر ذلك في مواجهته ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمشركين بأمر تنكره عقولهم، فلم يمنعه من الجهر به، الخوف من مواجهتهم واستهزائهم، فضرب بذلك ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمته أروع الأمثلة في وقوف الحق أمام الباطل وأهله، وإن كان هذا الحق غريبا عليهم .

وتسجل رحلة الإسراء والمعراج :  موقف أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ من هذا الحدث العظيم، وتلقيبه بالصديق، فللإيمان مواقف يظهر فيها، والمؤمنون الصادقون يظهر إيمانهم في المواقف الصعبة، فلقد لقب أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ بالصديق لموقفه من هذه المعجزة، حينما قال له المشركون: هل لك إلى صاحبك، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، قال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ: أو قال ذلك؟، قالوا : نعم ، فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ:  لئن كان قال فقد صدق، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر " بالصديق" ـ رضي الله عنه ـ،  فعلى المسلم أن يكون حاله مع كلام وأوامر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كحال أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ  إيمان ويقين ، وتصديق ولتسليم ، وإن خالف عقله وهواه ، قال تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً } (الأحزاب:36) .

وفي الإسراء والمعراج ظهرت: أهمية المسجد الأقصى بالنسبة للمسلمين ، إذ إنه مَسرى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومعراجه إلى السماوات العلى، وكان القبلة الأولى التي صلى المسلمون إليها في الفترة المكية، ولا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد:المسجد الحرام،ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى )( البخاري )، وفي ذلك توجيه للمسلمين بأن يعرفوا منزلته، ويستشعروا مسئوليتهم نحوه، بتحريره من أهل الكفر والشرك.. نسأل الله تعالى أن يطهره من اليهود، وأن ترفرف راية الإسلام مرة ثانية على القدس،  وغيرها من بلاد المسلمين . .

ومن خلال هذه الرحلة العظيمة تأكدت أهمية الصلاة ، فللصلاة منزلتها الكبيرة في الإسلام، ومما زادها أهمية وفضلا، أنها فرضت في ليلة الإسراء والمعراج، وفي هذا اعتناء بها، وزيادة في تشريفها، ومن ثم كانت من آخر ما أوصى به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل موته..

لقد كانت رحلة الإسراء والمعراج معجزة من معجزات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، حارت فيها بعض العقول، فزعمت أنها كانت بالروح فقط ، أو كانت مناما، لكن الذي عليه  جمهور المسلمين من السلف والخلف أنها كانت بالجسد والروح، قال الإمام ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري : إن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة، في اليقظة بجسده وروحه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإلى هذا ذهب جمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عن ذلك، إذ ليس في العقل ما يحيله، حتى يحتاج إلى تأويل .. وكذلك قال النووي ـ رحمه الله ـ في شرحه لصحيح مسلم . . ومن الأدلة كذلك على أن الإسراء والمعراج بالجسد والروح استعظام كفار قريش لذلك، فلو كانت المسألة مناما لما استنكرته قريش،  ولما كان فيه شيء من الإعجاز . .

ستظل معجزة ورحلة الإسراء والمعراج مدرسة للمسلمين،  يستلهمون منها الدروس والعبر، حتى يحققوا قول الله فيهم: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } (آل عمران:110)

بيعة العقبة الأولى

وسط الغيوم الملبدة، والظلام الحالك، لاحت بشائر الخير، وأشرقت أنوار الفجر، آتية من يثرب (المدينة).. فبعد عام من المقابلة التي تمت بين الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونفر من أهل يثرب عند العقبة، جاء إلى موسم الحج في السنة الثانية عشرة من البعثة، اثنا عشر رجلا(عشرة من الخزرج واثنان من الأوس)، من الذين أسلموا، وفيهم الستة الذين دعاهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في العام الماضي، فلقوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند العقبة فبايعوه بيعة العقبة الأولى..

وقد روى البخاري في صحيحه نص هذه البيعة وبنودها، فعن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ، أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:( بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله، فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه )، قال عبادة : فبايعناه على ذلك.

وبنود هذه البيعة هي التي بايع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليها النساء فيما بعد، ومن ثم عرفت ببيعة النساء. وقد بعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع المبايعين مصعب بن عمير ـ رضي الله عنه ـ، يعلمهم الدين، ويقرئهم القرآن، فكان يسمى بالمدينة (المقرئ).

وأقام مصعب في بيت أسعد بن زرارة في يثرب، يدعو الناس إلى الإسلام، ويقود الحركة الدعوية الرائدة، وقد نجحت سفارته ودعوته نجاحا عظيما، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا ودخلها الإسلام.. وقبل حلول موسم الحج التالي ـ السنة الثالثة عشرة ـ، عاد مصعب بن عمير إلى مكة يحمل إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشائر الخير، ويقص عليه خبر يثرب، وما فيها من أرض خصبة للإسلام ودعوته..

ومن خلال هذه البيعة وما سبقها من أحداث، يمكن استخلاص العديد من الحِكم والدلالات الهامة، منها:

النصر من المدينة

لقد اقتضت حكمة الله أن يكون أنصار الإسلام الأُول من غير بيئته وقومه، حتى لا يظن أحد بأن دعوة الرسول ـ صلى الله عيه وسلم ـ كانت دعوة قومية، ثم إن الله عز وجل قد مهد حياة المدينة وبيئتها لقبول ونصرة هذا الدين، لأن المدينة كانت تعيش ظروفًا خاصة رشحتها لاحتضان دعوة الإسلام، فقد كان التطاحن والتشاحن بين الأوس والخزرج على أشده، حتى قامت بينهم الحروب الطاحنة التي أنهكت قواهم، مما جعلهم يتطلعون إلى دعوة جديدة، تكون سبباً لوضع الحروب والمشاكل فيما بينهم، ويتآلفون تحت ظلها.. يظهر ذلك في قول أولئك النفر الستة :" إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ".. بالإضافة إلى‏ أن اليهود كانوا يسكنون المدينة، مما جعل الأوس والخزرج على اطلاع بأمر الرسالات السماوية، وكان اليهود يهددونهم بنبي قد أظل زمانه، ويزعمون أنهم سيتبعونه، ويقتلونهم به قتل عاد وإرم.. ولذا فبمجرد أن وصلت الدعوة إليهم، قال بعضهم لبعض‏:‏ " تعلمون والله يا قوم، إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه ".. فهذه الظروف جعلت لدى أهل المدينة تطلعاً إلى هذا الدين، وعلقت آمالهم به،   عسى أن تتوحد بفضله صفوفهم، وتزول أسباب الشقاق فيما بينهم، ولقد كان هذا مما صنعه الله لرسوله، ـ كما يقول ابن القيم في زاد المعاد ـ، حتى يمهد بذلك لهجرته إلى المدينة، حيث اقتضت حكمة الله أن تكون هي المنطلق لنصرة الإسلام في أرجاء الأرض كلها..

الصبر طريق التمكين

فكانت إحدى عشرة سنة من الجهاد والدعوة والتعب، والصبر المتواصل، هي الثمن وبداية الطريق إلى نشأة مدِّ إسلامي عظيم، يبدأ بالمدينة، وينتشر في العالم كله، وتتساقط أمامه قوة الروم، وتتهاوى بين يديه عظمة فارس، وتذوب من حوله النظم والحضارات الزائفة، وكانت بداية ذلك بيعة العقبة الأولى..

لقد كان من اليسير على الله عز وجل، أن يقيم دعائم المجتمع الإسلامي الأول، بدون هذا التعب وهذه الشدائد التي لقيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته، ولكن تلك هي سنة الله في عباده، فالصبر على الشدائد، والثبات على الحق، طريق النصر والتمكين، فلا يُمحص الصادق من الكاذب دون ابتلاء، قال تعالى:{ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } (محمد من الآية 6:4)، وقال: { أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } (العنكبوت 3:2).

سفير الإسلام الداعية الناجح

لقد ظهرت حكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في اختياره لمصعب بن عمير ـ رضي الله عنه ـ، ليكون سفيراً للإسلام وداعيا له، كما ظهر فضله رضي الله عنه، وعلو منزلته..   فاختاره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن علم بشخصيته من جهة، وعلم بالوضع القائم في المدينة من جهة أخرى، حيث كان مصعب ، بجانب حفظه لما نزل من القرآن، يملك من حسن الخُلق والحكمة، والهدوء والرفق، قدرا كبيرا، فضلا عن قوة إيمانه، وشدة حماسه لدينه ودعوته، وهذه مقومات الداعية الناجح، ومن ثم استطاع خلال أشهر قليلة أن ينشر الإسلام في بيوت المدينة، وأن يكسب للإسلام أنصارا من كبار زعمائها، كسعد بن معاذ وأسيد بن حضير ، وقد أسلم بإسلامهما خَلق كثير من قومهم.. واستطاع مصعب ـ رضي الله عنه ـ أن يتخطى الصعاب التي توجد دائما في طريق كل داعية، يريد أن ينقل الناس من موروثات فاسدة ألفوها، إلى نظام وشرع جديد، يسمو بهم، ويشمل حاضرهم ومستقبلهم..

استشعر مصعب ـ رضي الله عنه ـ، أن من ورائه نبي مضطهد، ودين يصطدم مع العرف والعادات السائدة، وما كان معه من وسائل الإغراء ما يغري به الناس للدخول في دينه ودعوته، ولم يكن يملك ـ وكفى ـ سوى ثروة من الدين، والتقى والحكمة، قبسها وتربى عليها من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وإخلاص لله، جعله يضحي بماله وجاهه، في سبيل دينه ودعوته، ثم هذا القرآن الذي ينير طريقه، ويتخير من آياته ما يفتح به القلوب والعقول..

كان مصعب ـ رضي الله عنه ـ أترف وأنعم شاب في مكة، وأحسن شبابها حُلة وبهاء، فلما دخل الإسلام طوى تلك الرفاهية وذلك النعيم، وانطلق في طريق الدعوة الإسلامية من وراء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، يتجرع كل شدة، ويستعذب كل بلاء، حتى قضى نحبه شهيدا في غزوة أحد، وليس له ما يلبسه إلا ثوب واحد، أرادوا أن يكفنوه به، فكانوا إذا غطوا به رأسه ظهرت رجلاه، وإذا غطوا به رجليه خرج رأسه..

رجع مصعب ـ رضي الله عنه ـ إلى مكة، قبيل موسم الحج من العام الثالث عشر للبعثة، ونقل الصورة الكاملة التي انتهت إليها أوضاع المسلمين في يثرب، والقدرات والإمكانات المتاحة هناك، وكيف تغلغل الإسلام في جميع قطاعات الأوس والخزرج، وأن القوم جاهزون لبيعة جديدة كبيرة، قادرة على حماية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والدفاع عن الإسلام، وسوف يرى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما تقر به عينه، وينشرح صدره..

وهكذا مهدت البيعة الأولى لما بعدها من بيعة ثانية كبيرة، وأحداث هامة، ستغير مجرى التاريخ، وبشارة بتوالي مواكب الخير، والهدى والنور إلى مكة..

زواج النبي صلى الله عليه وسلم بخديجة ـ رضي الله عنها ـ

كانت خديجة بنت خويلد ـ رضي الله عنها ـ  ذات شرف ومال، تستأجر الرجال ليتجروا بمالها، فلما بلغها عن محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، عرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام تاجراً وتعطيه أفضل ما تعطي غيره من التجار. فقبل وسافر معه غلامها ميسرة ، وقدما الشام، وباع محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد من السلع، فلما رجع إلى مكة وباعت خديجة ـ رضي الله عنها ـ ما أحضره لها تضاعف مالها . وقد حصل محمد - صلى الله عليه وسلم - في هذه الرحلة على فوائد عظيمة بالإضافة إلى الأجر الذي ناله، إذ مر بالمدينة التي هاجر إليها من بعد وجعلها مركزاً لدعوته، وبالبلاد التي فتحها ونشر فيها دينه، كما كانت رحلته سبباً لزواجه من خديجة بعد أن حدثها ميسرة عن سماحته وصدقه وكريم أخلاقه .

رأت خديجة ـ رضي الله عنها ـ في مالها البركة ما لم تر قبل هذا، وأُخْبِرت بشمائله الكريمة،   فتحدثت برغبتها في زواجه إلى صديقتها نفيسة أخت يعلى بن أمية .

يقول ابن حجر : " .. إن السيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ كانت ذات شرف وجمال في قريش، وإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج في تجارة  لها ـ رضي الله عنها ـ إلى سوق بصرى، فربح ضعف ما كان غيره يربح . قالت نفيسة أخت يعلى بن أمية : فأرسلتني خديجة إليه دسيساً (خفية)، أعرض عليه نكاحها، فقبل وتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، والذي زوجها عمها عمرو لأن أباها كان مات في الجاهلية، وحين تزوجها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت أيماً بنت أربعين سنة، وكان كل شريف من قريش يتمنى أن يتزوجها، فآثرت أن تتزوج برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأصابت بذلك خير الدنيا والآخرة " ..

وخديجة ـ رضي الله عنها ـ كانت تُدْعى في الجاهلية الطاهرة، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت، وهي أم أولاده جميعاً، إلا إبراهيم فإن أمه مارية القبطية ـ رضي الله عنها ـ .

وقد ولدت خديجة ـ رضي الله عنها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - غلامين وأربع بنات .

وأولاده ـ صلى الله عليه وسلم ـ منها هم: القاسم ، و به كان - صلى الله عليه وسلم – يكنى، و عبد الله ويلقب الطاهر والطيب . وقد مات القاسم بعد أن بلغ سِناً تمكنه من ركوب الدابة، ومات عبد الله وهو طفل، وذلك قبل البعثة ..

أما بناته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهن: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة . وقد أسلمن وهاجرن إلى المدينة وتزوجن .. ثم توفاهن الموت قبل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا فاطمة ـ رضي الله عنها ـ فإنها عاشت بعده ـ صلى الله عليه وسلم ـ ستة أشهر ..

وقد توفيت ـ رضي الله عنها ـ قبل الهجرة بثلاث سنين ، وقبل معراج النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولها من العمر خمس وستون سنة، ودفنت بالحجُون، لترحل من الدنيا بعدما تركت سيرةً عطرة، فرضي الله عنها وأرضاها ..

لقد اختار الله سبحانه وتعالى لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ زوجة تناسبه وتؤازره، وتُخفف  عنه ما يصيبه، وتعينه على حمل تكاليف الرسالة، وتعيش همومه، فقد كانت ـ رضي الله عنها ـ طوال حياتها مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثلا طيبا للزوجة الصالحة، التي تعين زوجها على أعبائه، وإن أصحاب الرسالات يلقون مشقة وتعبا بالغاً من الواقع الذي يريدون تغييره، ويقاسون جهاداً كبيراً في سبيل الخير الذي يريدون نشره، وهم أحوج ما يكونون إلى من يتعهد حياتهم الخاصة بالإيناس والعون، وكانت خديجة ـ رضي الله عنها ـ سباقة  إلى ذلك، وكان لها في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم ـ أعظم الأثر ..

قال الذهبي : ".. هي أول من آمن به وصدقه قبل كل أحد، وثبتت جأشه، ومضت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل عندما جاءه جبريل أول مرة في غار حراء، ومناقبها جمة، وهي ممن كمل من النساء، كانت عاقلة جليلة دينة مصونة من أهل الجنة، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يثني عليها ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين، ويبالغ في تعظيمها حتى قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: ( ما غِرْت من امرأة ما غِرْت من خديجة من كثرة ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها، وما تزوجني إلا بعد موتها بثلاث سنين )( البخاري ).

وقد ورد في فضل خديجة ـ رضي الله عنها ـ، أن جبريل عليه السلام، قال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( هذه خديجة أقرئها السلام من ربها، وأمره أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نَصَب ) ( البخاري ). من قصب، لا نصب فيه ولا صخب، أي: من لؤلؤ مجوف واسع كالقصر،  لا تعب فيه ولا ارتفاع أصوات ..

ومن خلال زواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحياته مع خديجة ـ رضي الله عنها ـ نرى أن الله أعطاه البنات والأولاد، تكميلاً لفطرته البشرية وقضاء لحاجات النفس الإنسانية، ثم أخذ البنين في الصغر، فذاق ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرارة فقد الأبناء، كما ذاق من قبل مرارة فقد الأبوين وقد شاء الله - وله الحكمة البالغة - أن لا يعيش له - صلى الله عليه وسلم - أحد من الذكور، حتى لا يكون مدعاة لافتتان بعض الناس بهم، وادّعائهم لهم النبوة، وأيضاً ليكون ذلك عزاء وسلوى للذين لا يُرزقون البنين، أو يُرزقون ثم يموتون، كما أنه لون من ألوان الابتلاء، وأشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

وفي زواج النبي - صلى الله عليه وسلم ـ من خديجة ـ رضي الله عنها ـ ما يلجم ألسنة وأقلام الحاقدين على الإسلام، من المستشرقين ومن تبعهم، الذين ظنوا بجهلهم وحقدهم، أنهم وجدوا في موضوع كثرة زواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خللا يُدْخل منه لمهاجمة الإسلام، فصوّروا النبي - صلى الله عليه وسلم - في صورة الرجل الغارق في لذاته وشهواته .. وزواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من خديجة ـ رضي الله عنها ـ ما يرد على هؤلاء الحاقدين .

فقد عاش - صلى الله عليه وسلم - إلى الخامسة والعشرين من عمره في بيئة جاهلية، عفيف النفس، دون أن ينساق في شيء من التيارات الفاسدة التي تموج حوله، كما أنه تزوج من امرأة لها ما يقارب ضعف عمره، حتى تجاوز مرحلة الشباب، ودخل في سن الشيوخ، وقد ظل هذا الزواج قائماً حتى توفيت خديجة ـ رضي الله عنها ـ عن خمسة وستين عاماً، وقد قرب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الخمسين من عمره، دون أن يفكر خلالها بالزواج بأي امرأة أخرى، ومابين العشرين والخمسين من عُمْر الإنسان هو الزمن الذي تتحرك فيه الرغبة في ذلك.

لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفكر في هذه الفترة بأن يضم إليها ـ رضي الله عنها ـ مثلها من النساء زوجة أو أمة، ولو أراد لكان الكثير من النساء والإماء طوع بنانه .

كانت خديجة ـ رضي الله عنها ـ من نعم الله الجليلة عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد آزرته في أحرج الأوقات، وأعانته على إبلاغ رسالته، وشاركته آلامه وآماله، وواسته بنفسها ومالها، وبقيت ربع قرن تحمل معه كيد الخصوم وآلام الحصار ومتاعب الدعوة، وقد توفيت ـ رضي الله عنها ـ  في العام العاشر من بعثته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فحزن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليها حزنا شديدا ..

أما زواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد ذلك من السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ وغيرها من أمهات المؤمنين، فإن لكل منهن قصة، ولكل زواج حكمة وسبب، يزيدان في إيمان المسلم بعظمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورفعة شأنه وكمال أخلاقه ..

سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم

عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "أتى عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا ألعب مع الغلمان، فسلّم علينا فبعثني إلى حاجة فأبطأت على أمي، فلما جئتُ قالت: ما حبسك؟، قلت: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحاجة، قالت: ما حاجته؟، قلت: إنها سر!!، قالت: لا تخبرنّ بسر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحدا، قال أنس : والله لو حدثتُ به أحداً لحدثتك به يا ثابت " متفق عليه واللفظ لمسلم .

وفي رواية البخاري : " أسرّ إليّ النبي -صلى الله عليه و سلم- سِرّاً، فما أخبرت به أحدا بعده، ولقد سألتني أم سليم رضي الله عنها -أمّه- فما أخبرتها به".

معاني المفردات

فبعثني إلى حاجةٍ: أرسلني لتنفيذ أمرٍ من الأمور.

أبطأت على أمّي: تأخّرت عنها طويلاً.

ما حبسك: ما الذي أخّرك.

تفاصيل الموقف

ها هي ذي أيّام الغلام الصغير أنس بن مالك تنساب كالماء الرقراق في الأودية الخصيبة، وكالنسمة الباردة التي تهبّ تحت ظلال الأشجار، منذ أن تغيّرت حياته بقدوم النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، فقد عهدت به والدته الغميصاء بنت ملحان رضي الله عنها إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام قائلة: "يا رسول الله هذا أنيس ابني، أتيتك به يخدمك".

ومنذ ذلك اليوم بدأت مسؤوليّة أنس رضي الله عنه في خدمة النبي –صلى الله عليه وسلم- ومرافقته في حلّه وترحاله، فكان رضي الله عنه لا يألو جُهداً في تلبية رغباته وتنفيذ أوامره، فنال ما لم ينلْهُ غيره من أقرانه في تلقّي الهدي النبوي والعيش في كنف رسول الله وتحت رعايته.

ويروي لنا أنيس -كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يناديه تدليلاً- يوماً من أيّام سعده وهنائه، حيث فرغ من أداء واجباته ذلك اليوم، فانسلّ من بيت النبوّة ليلعب مع الغلمان في أزقّة المدينة ونواحيها، فهو وإن كان خادماً للنبي –صلى الله عليه وسلم- إلا أنه يظلّ في سنّ الصبا وريعانه، وما يعنيه ذلك من الحاجة إلى اللهو البرئ.

وبينما هو منهمكٌ في اللعب إذ قدم عليه النبي –صلى الله عليه وسلم- فألقى عليهم التحيّة، ثم  أشار إليه إشارةً خفيّةً ليتنحّى به جانباً، ويُسرّ إليه بمهمّةٍ خاصّة.

ولا ريب أن النبي –صلى الله عليه وسلم- ما اصطفى أنساً لهذه المهمّة الخاصّة دون غيره من أقرانه، إلا لما رآه فيه من المؤهّلات والصفات التي تؤهّله لهذه المهمّة.

ولم يكد الأمر النبوي يطرق سمع أنس رضي الله عنه حتى هبّ واقفاً وانطلق من فوره يستقصي حاجة النبي -صلى الله عليه وسلم- ويسعى في تنفيذها، فأخذت منه وقتاً ليس باليسير حتى أنجزها على أتمّ وجه.

على أن أمّه رضي الله عنها أحسّت بتأخّر وليدها أنس إذ لم تعهد ذلك منه، وما إن رأته يدخل عليها حتى بادرته سائلةً: "ما حبسك؟"، فنظر إليها أنس وقال لها: "بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحاجة"، ولم يزد على ذلك حرفاً!.

أرادت الأم أن تستفصل أكثر، فعاودت السؤال: "ما حاجته؟"، فردّ عليها أنس بأدبٍ خالجه شيءٌ من الاعتذار: "إنها سر!!"، كلماتٌ قليلةٌ تدلّ على نضج شخصيّة هذا الغلام النبيه، فلقد أدرك على صغر سنّه أنّه ما كان له أن يكشف عن سرّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ولو كان لأقرب الناس إليه.

أكبرتْ الأم هذا الموقف السامي من غلامها، فأرادت أن تعزّزه في نفسه وتوطّده في مسيرته، ليظلّ وفاؤه مبدأً راسخاً لا يمكن أن يتنازل عنه مهما كانت المغريات، فقالت مؤكّدة: "لا تخبرنّ بسر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحداً".

وبهذا ينتهي الموقف، ويمضي الزمن، ويتنقّل أنس رضي الله عنه من مرحلة عمريّة إلى ما فوقها، حتى جاوز المائة عام، ولم يزلّ سرّ النبي –صلى الله عليه وسلم – محفوظاً، ولم يزل هذا الموقف أحد مفاخره رضي الله عنه التي عبّر عنها بقوله: "والله لو حدثتُ به أحداً لحدثتك به يا ثابت " .

إضاءات حول الموقف

لو وضعنا هذا الموقف تحت مجهر التأمّل والاعتبار، لخرجنا منه بفوائد عديدة تصلح كلّ واحدة منها لبحثٍ مستقلّ، وحسبنا أن نشير إليها إشارةً عابرة كي يستفيد منها القارئ، فنقول:

من فوائد الموقف، التنبيه على حاجة الأطفال إلى اللعب والترفيه، لتحقيق التنشئة الاجتماعيّة المتوازنة، والقيام بارتقاء النفس واكتساب المهارات الشخصيّة والقدرة على التواصل مع الآخرين ، ولذلك نجد علماء النفس والاجتماع يؤكّدون على أهمّية اللعب للناشئة ودوره في التربية، بل قاموا بإدخاله في المخطّطات والبرامج التعليمية.

ورسول الله –صلى الله عليه وسلّم قد سبقهم في ذلك كلّه فأقرّ لعب الأطفال في أكثر من موضع من سيرته.

ومن فوائد الموقف: حرص النبي –صلى الله عليه وسلم- على معاملة الأطفال بمنطق المسؤوليّة والتوجيه ليصنع منهم رجالاً، ويجعلهم ذخيرةً للأمّة في مستقبلها، نلمح ذلك من خلال قيامه عليه الصلاة والسلام بإلقاء السلام على الصغار، وهذا السلام وإن كان الهدف منه نشر قيمة السلام في المجتمع، إلا أنّه يحمل في طيّاته الرغبة في تعويد الصغار على الاستماع إليه ليعتادوه، ثم يطبّقوه مع غيرهم، كما يهدف إلى إزالة الحواجز الخفيّة التي تمنعهم من التعامل الإيجابي مع الأكبر منهم سنّاً، ليكونوا أقوياء على الحق، وتنشأ لديهم القوة النفسية التي تحمل صاحبها على معالي الأمور والبعد عن سفاسفها، وهذا هو عين السبب الذي جعل النبي –صلى الله عليه وسلم- يستحفظ سرّه عند غلامه أنس رضي الله عنه وهو بمثل هذه السنّ.

وفي سؤال الأم لابنها حول أسباب تأخّره، لفتةٌ مهمّة إلى دور الأسرة في تفقّد أولادها ومتابعتهم الدقيقة، بحيث يلحظون ما يطرأ عليهم من تغيّر في السلوك خصوصاً مع كثرة المؤثّرات خارج النطاق الأسري، ومثل هذه الرقابة الدقيقة وغير المباشرة تسهم في اجتثاث أي انحراف طارئ، ومن ثمّ تداركه قبل أن يستفحل خطره ويعظم أمره.

ويعظم موقف الأمّ عندما لم تلحّ على ابنها في السؤال، في حين أن كثيراً من نساء المسلمين ُيكثرن من سؤال أولادهنّ في الأمور التي تتعلّق بالآخرين وخصوصيّاتهم، ما يعود بالأثر السيئ على الطفل وسلوكه، فينشأ فضوليّاً غير قادرٍ على كتمان الأسرار.

ومما يستوقفنا من الحوار بين أنس رضي الله عنه وأمه، قوله عنها : " فأبطأت على أمي"، إنّه تأنيب الضمير على تأخّره وما يعكسه من اهتمامه بأمرها، بحيث كان قلقه نابعاً من داخله وبقناعة تامّة منه.

ثم تبقى الإشارة إلى بيان أهمّية كتمان السرّ وحرمة إفشائه وتضييعه، وقد جاءت بذلك جملةٌ من النصوص الشرعيّة، كقول الله تعالى في محكم التنزيل: { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا } (الإسراء:34)، وقول النبي –صلى الله عليه وسلم –  : ( إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها) رواه مسلم ، وقوله: (إذا حدث رجل رجلا بحديث ثم التفت فهو أمانة) رواه الترمذي ، وقوله: ( لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له) رواه أحمد .

قال عليه الصلاة والسلام: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدمٍ حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظاً مصبوباً، وعند رأسه أُهُب معلّقة؛ فرأى أثر الحصير في جنبه، فبكى؛ فقال: (ما يبكيك؟) فقال له: "يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله" فقال عليه الصلاة والسلام: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟) متفق عليه.

وفي رواية أخرى : "..ثم رفعت بصري في بيته فوالله ما رأيت فيه شيئاً يردّ البصر غير أُهبة ثلاثة، فقلت: ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم وُسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله"، وكان متكئا فقال: ( أو في شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عجلت لهم طيّباتهم في الحياة الدنيا ) متفق عليه.

معاني المفردات

ما بينه وبينه شيء: ما بين النبي –صلى الله عليه وسلم- وبين هذا الحصير شيء

وسادة من أدم: الأدم هو الجلد.

قرظاً: القرظ نوعٌ من الورق يُستخدم لدبغ الجلود.

مصبوباً: مجموعاً

أُهُب معلّقة: جلود معلّقة

تفاصيل الموقف

كم وقتٍ مرّ فيه عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أمام بيتٍ النبي –صلى الله عليه وسلم- وهو لا يكاد يتذكّر مشاهدته للأدخنة وهي تتصاعد من تنّور بيته عليه الصلاة والسلام –سوى مرّة تقريباً كلّ ثلاثة أشهر-، فيؤلمه الواقع ويُحزنه الحال.

ولطالما أبصر عمر رضي الله عنه سيّد الأوّلين والآخرين في ثيابٍ متواضعة، وهيئةٍ بسيطة، ومركبٍ معتاد، فلا ترف ولا إسراف، ولا حاشية ولا خدم، كما هو شأن الأباطرة والأكاسرة، ولكن كساءٌ خشن، وإزارٌ غليظ، ورداء نجراني، وركوبٍ على بغلةٍ بيضاء أو ناقةٍ حمراء ،لا سراج من حرير أو خطام مطعّم بخيوط الذهب، بل مادّة ذلك كلّه الليف الخشن الذي يصنع الأخاديد على راحة اليد، ولا قصور مشيّدة ولا بساتين عالية، ولكن بيوت طينٍ له ولزوجاته، فيزداد ألم عمر رضي الله عنه ويتعاظم.

وتتوالى الأيّام واحدةً تلو الأخرى، ومع مرورها تزداد مشاعر الإشفاق على حال النبي –صلى الله عليه وسلم- حتى جاء اليوم الذي دخل فيه عمر رضي الله عنه ليناجيه في بعض الأمور، فهاله ما رأى!!.

ها هو النبي –صلى الله عليه وسلّم- نائمٌ في حجرته، وسريره –إن جاز لنا أن نسمّيه سريراً- ليس سوى قطعة حصيرٍ بالية تكاد تلتصق بالأرض، وعليها وسادة جلديّة محشوّة بالليف، أهذا هو سرير خير الخلق وأعلاهم منزلة؟ أين هذا مما يسمعه من الأبّهة التي عليها ملوك الأرض في زمانه، الذين ينامون على أسرّةٍ تُصنع من أغلى المعادن وأنفسها، فتُحلّى قضبانها بالذهب الخالص وتُرصّع بألوان الجواهر والياقوت، وتُحشى بطانتها بأفضل أنواع القطن وأجوده، وتجد عليها أستار الحرير ومن حولها قناديل الذهب، في أجواء الرفاهيّة المشبعةٍ بأذكى العطور وأجملها رائحة.

ويرمي عمر رضي الله عنه ببصره إلى نواحي البيت فلا يكاد يقف على شيء من الأثاث سوى قِطَعٍ جلديّة رثّة، وجرّة بها ماؤه ووضوؤه، وصحافٍ قديمة ليس بينها مائدة طعام، ورفٍّ عليه شيء من الشعير الذي تصنع منه عائشة رضي الله عنها ما يأكلون.

وبينما كان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه غارقاً في تأمّلاته إذ قام النبي –صلى الله عليه وسلم- من حصيره وقد أثّر على جنبه، عندها تفجّرت مآقي الدمع من عيون عمر رضي الله عنه، ولم يستطع أن يحتمل أكثر من ذلك.

كان بكاء عمر رضي الله عنه مفاجئاً للنبي –صلى الله عليه وسلم-، الأمر الذي جعله يتساءل عن سرّ بكائه وأحزانه، فيُفضي إليه عمر رضي الله عنه بمشاعره ولوعاته: "يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله" وفي الرواية الثانية: " فارس والروم وُسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله".

أَوَهذا الذي يُبكيك يا عمر ؟، دع طغاة الأرض وملوكها في قصورهم الشاهقة ومعاشهم الرغيد ومركبهم الأنيق، دعهم يتنسّموا عبير زهرة الحياة الدنيا مرّة بعد مرّة، فلسوف يأتي اليوم الذي تذبل زهرتها ولو بعد حين، ويُفضي كلّ امرئ منهم إلى ما قدّم.

هو اختيارٌ واضحٌ إذاً: أولئك القوم اختاروا الدنيا على الآخرة، وفضّلوا العاجلة على الباقية، فلهم ما اختاروا، {وما كان عطاء ربّك محظوراً} ، ولئن رضوا باختيارهم هذا فأخلدوا إلى الأرض، فسوف نرتفع بهاماتنا إلى السماء، ونسموا بهمّتنا إلى العلياء، مستعذبين في سبيل ذلك كلّ مكروه، وصابرين على كلّ بلاء، ومستقلّين من متع الدنيا؛ لأن المسافر لا يأخذ معه إلا ما هو ضروري، وهذه هي حقيقة الاستعلاء على الشهوات والرغبات التي يرسمها لنا النبي –صلى الله عليه وسلم- منهاج حياة.

إضاءات حول الموقف

درسٌ من الطراز الأوّل يقدّمه لنا النبي –صلى الله عليه وسلم- في علوّ الهمّة، وقوّة العزيمة، وسموّ المطلب، والاستخفاف بملاهي الحياة، والزهد بما فيها، وتوظيف من يقابله الإنسان من الشدائد والمكاره في تهذيب النفوس والأخلاق.

ولم يكن الموقف الذي بين أيدينا سوى صورةٍ مصغّرة للكمال النبوي، لتُصبح سيرته عليه الصلاة والسلام أنموذجاً يُحتذى به، وطريقاً نسير عليه.

ولو شاء النبي-صلى الله عليه وسلم- لأجرى الله بين يديه ألوان النعيم، ولكان له من ذلك أوفر الحظّ والنصيب، لكنّه كان راضياً بالقليل، قانعاً باليسير، واضعاً نُصب عينيه قول الحقّ تبارك وتعالى : { ورزق ربك خير وأبقى} (طه : 131).

يروي لنا أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال عن نفسه: (إن عبداً عُرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة) رواه أحمد ، ونزل إليه ذات مرّة ملكٌ من السماء فقال له : " إن الله يخيّرك بين أن تكون عبداً نبيّاً، وبين أن تكون ملكاً نبيّا "، فأجاب: (بل أكون عبداً نبياً) رواه البخاري في تاريخه، وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا) متفق عليه.

ولعلّ في هذه القلّة التي كان يعيشها النبي –صلى الله عليه وسلم- سلوىً للفقراء، وعزاءً لكل مسكين، فلا يعيقهم مكروه أصابهم أو بأسٌ حلّ بهم أو شدّة ألمّت بواقعهم عن بلوغ أهدافهم، بل تتّصل قلوبهم بالله وتمتلئ نفوسهم رضاً بقضاء الله وقدره وقسمته.

أخبار الرحلة العلاجية لفضيلة الشيخ أبي اسحاق الحويني

بلجيكا - بروكسل : السبت 15 جمادي الثانية 1431 هـ 29 مايو 2010

الحمد لله وحده وبعد

بفضل من الله تعالي وصل فضيلة الشيخ أبي اسحاق الحويني إلي مدينة بروكسل عاصمة بلجيكا بعد منتصف ليل السبت

حيث سيلقي بعد ساعات قليلة محاضرة بعنوان :

أيها التائه : قف

وذلك في القاعة الشهيرة :

Brussels Event Brewery

والتي تسع لخمسة آلاف شخص , وهناك مكان خاص بالنساء

والله أسأل أن يوفق فضيلة الشيخ في هذه المحاضرة

وأن يسبغ عليه نعمه الظاهرة والباطنة

وأن يشفيه شفاءاً لا يغادر سقما

وصلي الله علي محمد وعلي آله وصحبه وسلم

ألمانيا - الأربعاء 12 جمادي الثانية 1431 هـ 26 من مايو 2010

الحمد لله وحده وبعد

إن شاء الله تعالي سيلقي فضيلة الشيخ ابي اسحاق الحويني يوم السبت القادم الساعة الثالثة بعد الظهر بتوقيت القاهرة في مدينة بروكسل ببلجيكا

والعنوان هو : Brussels Event Brewery nv-sa

rue Delaunoystraat 58 B/1

B-1080 BRUSSELS

وستذاع المحاضرة علي الهواء مباشرة علي قناتي الحكمة والناس

وأيضا ستذاع علي موقعنا بإذن الله تعالي

www.alheweny.org/aws

وأما بالنسبة إلي آخر أخبار فضيلة الشيخ الصحية
فالحمد لله رب العالمين قد بدأ الشيخ منذ أسبوع في تطبيق
الخطة العلاجية المبدئية والتي ستنتهي بعد ثلاثة أسابيع
وهي خاصة بالسكر والأعصاب والعلاج الطبيعي
ثم بعد ذلك يحدد الأطباء المرحلة الثانية من العلاج
وهل ستستدعي أن يظل فضيلة الشيخ في ألمانيا
أم من الممكن أن يُكمل علاجه في مصر
وبفضل من الله سبحانه وتعالي هناك تقدم في حالة الشيخ
ولا أنسي أن أشكر جميع الأطباء المسلمين الألمان الذين
لا يألون جهدا في متابعة شيخنا وتقديم كل ما يمكن من عون له
جزاهم الله خيرا وهذا كما قال النبي صلي الله عليه وسلم
( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد
إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الأعضاء بالسهر والحمي ) رواه مسلم
واسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفي شيخنا
وأن يبارك له في عمره وأن يشفيه شفاءا لا يغادر سقما
وصلي الله علي محمد وعلي آله وصحبه وسلم

هــل سُـحـر الـنبـي صلى الله عليه وسلم


هل سُحر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟ وهل نفذ فيه السحر ؟

الـجــواب : الرسول من البشر ، فيجوز أن يصيبه ما يصيب البشر من الأوجاع والأمراض وتعدي الخلق عليه وظلمهم إياه كسائر البشر الى أمثال ذلك مما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ، ولا كانت الرسالة من أجلها ، فغير بعيد أن يصاب بمرض أو اعتداء أحد عليه بسحر ونحوه يخيل إليه بسببه في أمور الدنيا ما لا حقيقة له ، كأن يخيل إليه أنه وطئ زوجاته وهو لم يطأهن ، أو أنه يقوى على وطئهن ، حتى إذا جاء إحداهن فتر ولم يقو على ذلك ، لكن الإصابة أو المرض أو السحر لا يتجاوز ذلك الى تلقي الوحي عن الله تعالى ولا الى البلاغ عن ربه الى العالمين لقيام الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على عصمته (صلى الله عليه وسلم) في تلقي الوحي وبلاغه وسائر ما يتعلق بشؤون الدين ، والسحر نوع من الأمراض التي أصيب بها النبي (صلى الله عليه وسلم) ، فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سحر رسول الله رجل من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله يخيل إليه أنه كان يفعل الشئ وما يفعله ، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم دعا ثم دعا ثم قال : " يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه ، جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي : ما وجع الرجل ؟ قال : مطبوب . قال : ومن طبه ؟ قال : لبيد بن الأعصم . قال : في أي شئ ؟ قال : في مشط ومشاطة . قال : وجف طلعة ذكر ، قال : أين هو ؟ قال : في بئر ذي أروان " ، قالت : فأتاها رسول الله في أناس من أصحابه ثم قال : " يا عائشة كان ماءها نقاعة الحناء ، وكان نخلها رؤوس الشياطين " قالت : فقلت : يا رسول الله أفلا أحرقته ، قال : " لا أما أنا فقد عافاني الله فكرهت أن أثير على الناس شراً" فأمر بها فدفنت . { رواه البخاري ومسلم }.

ومن أنكر وقوع ذلك فقد خالف الأدلة وإجماع الصحابة وسلف الأمة متشبثاً بشبه وأوهام ، لا أساس لها من الصحة ، فلا يعول عليها ، وقد بسط القول في ذلك العلامة ابن القيم في كتاب زاد المعاد والحافظ ابن حجر في فتح الباري .

{ اللجنة الدائمة فتوى رقم 4015
}